أنسنة الدمية في قصة (نونة والذئب) للكاتب سالم بخشي

التآخي – ناهي العامري

قبل عرض قراءتي الانطباعية لقصة (نونة والذئب) للكاتب سالم بخشي، المنشورة في مجلة الاديب العراقي الفصلية، الصادرة عن المكتب الثقافي الكردي في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، أود الاشارة الى انني واجهت خطأ طباعي، هو ان هناك عدة اسطر من نهاية القصة غير منشورة، اكتشفت ذلك حال وقوفي على آخر كلمة منها، اذ يستحيل فهم حبكتها وحدثها الدرامي وضربتها الاخيرة بدون الاسطر المحذوفة، ومن كثر شغفي في معرفة نهايتها، اتصلت فوراً بسالم بخشي وابلغته بالخطأ. عندها ارسل لي الجزء الغائب في المجلة على الماسنجر، الذي انار لي كل العتبات المعتمة وكشف جمال القصة وتقنيتها المتفردة.

تعد أنسنة الحيوان في السرديات حالة مألوفة، لأنه (أي الحيوان) يمتلك غرائز وطباع ويتأقلم ويتآلف مع الانسان، لكنه غير ناطق، ومحاولة استنطاقه في تقنيات السرد، مذ عرف الانسان الكتابة كانت مقنعة، بيد ان محاولة أنسنة الجماد واستنطاقه، أمر ليس باليسير، لأنه خال من المشاعر والاحاسيس ولا يرتبط بالانسان بأي صفة، لذا فأن اقناع المتلقي بأنسنة الجماد يحتاج الى اسلوب متفرد في الحبكة وتقنية عالية لنفخ الروح فيه، عبر حالة تواصل وجداني وعاطفي بين الانسان والجماد، مثلما فعل بخشي حينما جعل الدمية (نورة) هدية الطفلة سناء في عيد ميلادها الثامن هي بطلة القصة، فقد أخفى حقيقتها وجعلني أعتقد انها بشرية وأحد ضحايا المدافن الجماعية، التي مارسها ازلام الطاغية ابان العهد الدكتاتوري، تستذكر عائلتها وهي تحت الثرى، التي دفنت معها وبعد عقود من الزمن تحولوا الى رميم، أمها سناء التي تلقبها (ماما سونه) وجدتها لأمها.
تقنية الاخفاء المتواصل لنهاية القصة، جعلني أفسر ان الطفلة (نورة) استفاقت في الجنة واخذت تستذكر ما حصل لها ولعائلتها، أو ان روحها انسلخت من جسدها وبقت هائمة فوق هياكل الجميع، لكن ذلك تغير كليا بعد حضور وفاء الاخت الاكبر للضحية سناء (بداية الاسطر المحذوفة) الى المقبرة الجماعية، الوحيدة من عائلتها التي نجت من الدفن الجماعي، فتعرفت على هيكل أمها من خلال هويتها المعلقة في عظامها، واختها سناء من خلال حضنها لدميتها نورة التي تلقبها نونة، هدية عيد ميلادها الثامن، ان براءة الطفلة سناء وعفويتها، جعلاها تعتقد اعتقادا جازماً ان نورة آدمية، وليست جماد، ولهذا كانت تغار عليها في حال داعبتها أختها وفاء، وكان انغراز سلاميات اصابعها داخل جسد الدمية، بعد ان تحولت الى رميم، رمزا بليغاً مقنعا جداً، لروح البراءة والعاطفة الانسانية التي دبت داخل جسد الدمية نورة ، وجعلها تستذكر جريمة الدفن الجماعي، جريمة العصر.

قد يعجبك ايضا