إيمان عبد الستار بدير… حينُ تصير القصيدة وطناً والوجعُ لغة

محمد علي محيي الدين

تطلّ الشاعرة إيمان عبد الستار بدير من مدينة الحلة، مدينة التاريخ والأنهار والذاكرة، بوصفها صوتًا شعريًا تشكّل على مهل، ونما في حضن القراءة والمران والإنصات العميق لروح القصيدة العربية. وُلدت عام 1979 في محافظة بابل، وفيها أنهت دراستها الأولية، ثم حصلت على الدبلوم التقني في المحاسبة من المعهد التقني بابل (1999–2000)، لتلتحق بعد ذلك بوظيفتها في جامعة بابل / كلية الهندسة منذ عام 2001. ولم يكن انشغالها الوظيفي حاجزًا دون شغفها بالمعرفة، إذ واصلت طريقها الأكاديمي لتحصل على شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة بابل (الدراسة المسائية 2024–2025)، في مسار يعكس إصرارًا واضحًا على الجمع بين العمل والعلم والإبداع.
منذ نعومة أظفارها، كان الشعر يسكنها قبل أن تكتبه؛ انجذبت إلى القصيدة العربية، قرأت دواوينها، وتتبّعت أسرار عروضها وإيقاعاتها، وفهمت أغراضها ومقاصدها، حتى بدأت محاولاتها الأولى في كتابة الشعر تمرينًا ومكابدة، لا استعجال فيها ولا ادّعاء. ومع الزمن، استقام لها القول، وأدركت أنها أمسكت بخيط الشعر، فبدأت بنشر نصوصها بين زميلاتها، ثم في الصحف والمجلات، والمشاركة في النشاطات الثقافية، لتصبح لاحقًا عضوًا في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق – فرع بابل، وعضوًا فاعلًا في عدد من المنتديات الثقافية.

أصدرت الشاعرة مجموعتين شعريتين شكّلتا علامتين واضحتين في تجربتها:
“عشتار تولد من جديد» (2017) – دار كيوان، دمشق،
“لا فجرَ في عيون الراحلين» (2023) – دار السامر، البصرة.
وفي هذين الديوانين تتجلى ملامح صوتها الشعري: قصيدة عمودية واعية بإيقاعها، مشبعة بالوجدان، مشدودة إلى الهمّ الإنساني والوطني، ومفتوحة على الرمز والأسطورة بوصفهما جزءًا من الحياة اليومية لا زخرفة لغوية.
نشرت إيمان عبد الستار قصائدها في صحف ومجلات ورقية وإلكترونية متعددة، منها: جريدة العراق، البيّنة، النهار، الشرق، الدستور، مجلة أنوان، نخيل عراقي، أوروك الثقافي، المرايا، وشاركت في دواوين مشتركة مثل: صدى الفصول، كشكول أدبي، ديوان الحدباء (الجزء الثاني)، حروف وهواجس، حروف في منتصف الضوء. كما كان لها حضور لافت في مهرجانات وأمسيات شعرية وثقافية عديدة داخل العراق، لا سيما في بابل، إضافة إلى مشاركات وطنية متنوعة.
وتوسّعت تجربة الشاعرة لتتجاوز حدود اللغة العربية، إذ تُرجمت بعض قصائدها إلى اللغة الإنكليزية في كتاب صدر في العراق والولايات المتحدة الأمريكية بترجمة الشاعر حامد الشمري، كما تُرجمت نصوص أخرى في كتاب «حُلي بابليّة» للناقد محمد جودة العميدي. وحصدت خلال مسيرتها شهادات تقديرية ودروع إبداع، ونالت المركز الأول في الشعر العمودي في مسابقة أقامتها مؤسسة الجبالي الثقافية في جمهورية مصر، وتُوّجت بـوسام وميدالية الإبداع الفضي. كما أُدرجت سيرتها في موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر (1950–2020) لفاطمة بوهراكة، وموسوعة الشعر العراقي الفصيح (1932–2022).
ولم تمرّ تجربة إيمان عبد الستار دون أن تستوقف النقاد، الذين قرأوا نصها بوصفه مشروعًا شعريًا يتكئ على الوعي والصدق الفني. فقد رأى الشاعر جبار الكواز أن قصائدها تمثّل “أسّ القدرات المتنامية” لشاعرة تصرّ على النص الطويل، وتستثمر هموم الوطن والذات معًا، مع حضور واضح للرموز الإيجابية في الذاكرة العراقية والدينية والإنسانية، مؤكدًا تمكنها من أدوات القصيدة العمودية وسرعة بديهيتها وجرأتها في الارتجال، وسعيها الواعي لابتكار رؤى جديدة من داخل بنية القصيدة التقليدية.

أما الأستاذة الدكتورة وفاء قحطان، فقد توقفت عند البعد التقني في نصوصها، مشيرة إلى ما سمّته “الطاقة التعويضية” داخل القصيدة، حيث تتكئ الشاعرة على تجاوز الواقع والقفز عليه، واستبدال الثوابت، وبناء حلم شعري يقوم على إدراك عميق للحقيقة والغياب والفراغ.
ورأى الناقد عماد الدعمي أن قصائدها مشبعة بالوجدان والعاطفة، وأن تنوّع البحور التي كتبت فيها (الكامل، البسيط، الوافر، الطويل، الرمل، الخفيف، المتقارب) دليل على أذن موسيقية واعية وقدرة عروضية راسخة. فيما وصفها عبد الهادي الزعر بأنها “شاعرة بابلية متمكنة”، مزدحمة نصوصها بالحزن والقلق الوجودي، ومشحونة بتأمل داخلي لا يفارق محراب الشعر.
وأشار محمد جودة العميدي إلى اختلاف نصوصها عن كثير من تجارب الشواعر المعاصرات، لاعتمادها تقنيات حديثة مثل تراسل الحواس، والاسترجاع، والاستحضار، والترصيع الإيقاعي، مع توظيف واعٍ للأسطورة وإعادة قراءتها، فضلًا عن وضوح الفكرة وجزالة اللفظ وسرعة وصول القصيدة إلى المتلقي.
أما حسين عوفي، فعدّها شاعرة تفصح عن المسكوت عنه بذكاء، وتمتلك فلسفتها الخاصة في التعبير عن الذات والعالم، وتمشي واثقة في مشهد شعري قلق، لكنها تعرف كيف تحفر اسمها فيه.

وأكد عبد الحسين الشيخ علي أن الشاعرة تمتلك قوة العبارة الرومانسية والتمكن من بحور العمود، في زمن هيمنت فيه قصيدة النثر، فاختارت أن تغرّد خارج السرب محافظة على جماليات الإيقاع.
وفي قراءة جبو بهنام، تتغذى الصورة الشعرية عندها من ذاتها وحالاتها الانفعالية، لتوقظ الكوامن الشعورية لدى المتلقي، وتجعل الشعر كائنًا حيًا يتنفس ويمتد على مساحات الحزن والأمل معًا. بينما توقف فالح السعيد عند بعدها الفلسفي والصوفي في بعض أبياتها، مشيرًا إلى وعيها العميق بالحياة، وإلى أن الشاعرة – بوصفها فيلسوفة بطبعها – تمتلك بيانًا واضحًا فيما تختار قوله.
بهذه الملامح، تتقدّم إيمان عبد الستار بدير بوصفها تجربة شعرية تنمو بثقة، وتوازن بين الأصالة والوعي الحداثي، وتكتب القصيدة العمودية لا بوصفها تراثًا جامدًا، بل أفقًا مفتوحًا للوجع الإنساني، ولحلم لا يكفّ عن البحث عن فجرٍ، حتى وإن طال الغياب.

قد يعجبك ايضا