كلمة التطبيع بين مخاوف السنة والشيعة في العراق…

 
 مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن
 

كلمة التطبيع في اللغة العربية تُشتق من الجذر طبع، وتعني إعادة الشيء إلى حالته الطبيعية أو العادية بعد أن كان في وضع استثنائي، ويُستخدم هذا المصطلح في المجال السياسي للدلالة على قرار إعادة العلاقات بين دولتين بعد فترة من القطيعة أو التوتر، سواء كانت علاقات دبلوماسية أو اقتصادية أو ثقافية.
وقد ارتبط مصطلح التطبيع في الوعي العربي، خصوصًا في العقود الأخيرة، بالعلاقات مع (الكيان الصهيوني)، حتى أصبح وكأنه حكر على هذا السياق فقط، إلا أن هذا الفهم يبقى قاصرًا، لأن التطبيع في جوهره مفهوم أوسع بكثير، ولا يقتصر على علاقة دولة بعينها, فهو في علم الاجتماع مثلًا يعني اكتساب سلوكيات وأفكار جديدة تُصبح مع الوقت معايير طبيعية داخل المجتمع.
من هذا المنطلق، يمكن فهم ما أشار إليه الكاردينال (لويس روفائيل ساكو)، بطريرك بابل للكلدان في العراق والعالم، حين تحدث عن البُعد الإنساني المشترك، مؤكدًا أننا جميعًا أحفاد إبراهيم، في إشارة إلى ما يُعرف اليوم بالخطاب “الإبراهيمي”، هذا الطرح لا يمكن فصله عن مفهوم التطبيع بمعناه الإنساني والاجتماعي قبل السياسي، أي تطبيع العلاقات بين مكونات المجتمع الواحد قبل التفكير بالعلاقات الخارجية.

ففي العراق، توجد فجوة عميقة وواضحة بين الشعب بجميع مكوناته من جهة، وبين الأحزاب السياسية سواء المشاركة في السلطة أو المعارضة من جهة أخرى. هذه الفجوة لا يمكن إنكارها، وقد تجلت بوضوح في نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث امتنعت غالبية الشعب عن المشاركة، تعبيرًا عن فقدان الثقة بالعملية السياسية برمتها، وهنا يصبح التطبيع الداخلي، أي إعادة العلاقة الطبيعية بين الشعب والدولة، ضرورة ملحّة قبل أي حديث عن تطبيع خارجي.
عند العودة إلى معنى التطبيع الحقيقي، نجد أن المواقف حوله غالبًا ما تكون غريبة ومتناقضة، فالكثير من الإخوة الشيعة في العراق، وبدون تفكير سياسي عميق، يربطون التطبيع تلقائيًا بإسرائيل، ويضعونه في خانة الخيانة أو المحرمات السياسية ومع الأسف، يغيب عن أذهان كثير من السياسيين الشيعة أن أكثر من 22 دولة عربية في الشرق الأوسط لديهما علاقات سياسية أو اقتصادية أو تجارية مع إسرائيل، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، بل إن المفارقة الأكبر تتمثل في أن إيران نفسها، التي تُقدَّم كدولة رافضة للتطبيع، تحتضن جالية يهودية كبيرة، ولديهم معابدهم ويمارسون طقوسهم الدينية بحرية، كما أن هناك علاقات إنسانية وتجارية غير مباشرة بين الشعبين الإيراني والإسرائيلي.
كما أن التطبيع الذي جرى بين السعودية وإيران بعد صراع طويل في المنطقة يثبت أن التطبيع بحد ذاته ليس شرًا مطلقًا، بل أداة سياسية قد تُستخدم لإنهاء النزاعات وتحقيق الاستقرار إذا أُحسن توظيفها.
من هنا، يتضح أن المخاوف السياسيين الشيعية من كلمة التطبيع في العراق ليست في محلها، وغالبًا ما تنبع من خطاب عاطفي لا يستند إلى قراءة سياسية واقعية، بل إن هذا الخوف يعكس عقلية منغلقة تُراد لها أن تبقى بعيدة عن الانفتاح السياسي والفكري.
 
أما لدى السياسيين وبعض الشخصيات العرب السنة في العراق، فإن كلمة التطبيع ترتبط بمخاوف مختلفة، أبرزها ما يتعلق بالمادة 140 من الدستور العراقي الدائم، وما يرافقها من هواجس حول الأرض والهوية والمستقبل السياسي، لذلك نجد أن ردود الفعل تكون سريعة وحادة عند سماع كلمة التطبيع، ويُطلق حولها التصريحات شمالًا وجنوبًا دون نقاش هادئ أو عقلاني.
إن الاستمرار في تبني هذه الأفكار المصنَّعة والخطابات المتشنجة يجرّ العراق نحو حافة الهاوية، ويُقربه من الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي فالعراق، الذي كان يومًا بلدًا حضاريًا منفتحًا وذا نفوذ سياسي قوي، مهدد بأن يتحول إلى دولة مغلقة بلا رؤية استراتيجية مستقلة.

سواء أردنا أم لا، فإن التطبيع، بمختلف أشكاله، قادم “عاجلًا أم آجلًا”، بحكم التغيرات المتسارعة في خارطة الشرق الأوسط، وبحكم التحولات السياسية الإقليمية والدولية، وهنا لا بد من البحث عن بديل للأفكار السياسية السيئة، وهذا البديل هو العقلانية، أي الانفتاح الواعي على العالم من أجل تحقيق توازن سياسي واجتماعي واقتصادي، فقط من خلال هذا الانفتاح، يمكن للعراق أن يستعيد مكانته الطبيعية في المحافل الدولية، وأن يعود دولة فاعلة ومؤثرة كما كان في السابق، لا ساحة صراع للأفكار الخاطئة والمخاوف غير المبررة.

قد يعجبك ايضا