سوريا 2025: سلطة بلا شراكة ووطن بلا أفق

حوران حم

انطلاقًا من مسؤوليته السياسية والأخلاقية تجاه الشعب السوري بجميع مكوّناته، وتجاه القضية الكوردية بوصفها جزءًا أصيلًا من المعادلة الوطنية، أن قراءة المرحلة الراهنة تفرض قول الحقيقة دون مواربة، بعيدًا عن المجاملات السياسية أو الحسابات الضيقة. إن ما نطرحه هنا ليس موقفًا ظرفيًا، ولا خصومة مع أشخاص، بل تقييمًا موضوعيًا لمسار سلطة تصدّرت المشهد تحت عنوان الانتقال، بينما أعادت في الجوهر إنتاج بنية الإقصاء ذاتها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.
على امتداد عامٍ كامل من عمر حكومة أحمد الشرع، بدا المشهد السوري وكأنه يدور في حلقة مفرغة، حيث تغيّرت الوجوه وبقيت الذهنية ذاتها، ذهنية السلطة التي ترى في نفسها مركز الحقيقة، وفي المجتمع هامشًا ينبغي ضبطه لا الإصغاء إليه. فمنذ اللحظة الأولى، لم يُبنَ المسار السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية، بل على منطق إدارة التوازنات الضيقة، وإعادة تدوير النموذج الذي حكم سوريا لعقود، مع مساحيق لغوية جديدة لا تمس جوهر الأزمة.

ما أُطلق عليه مسمّى الحوار الوطني لم يكن حوارًا بالمعنى الحقيقي، بل مشهدًا مُعدًّا سلفًا، خلت قاعته من معظم القوميات والمكوّنات السورية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، وغابت عنه الإرادة الحرة، وحضرت فيه انتقائية فاضحة تشبه إلى حدٍّ بعيد مؤتمرات الأنظمة السابقة، حيث يُستدعى الموالون وتُقصى الأصوات المستقلة، ويُختزل الوطن في دائرة ضيقة تتحدث باسم الجميع. لم يكن ذلك الحوار مساحة للاعتراف المتبادل، ولا منصة لمساءلة الماضي أو صياغة المستقبل، بل محاولة لإضفاء شرعية شكلية على واقع مأزوم.

ثم جاء ما سُمّي بمؤتمر النصر، ليشكّل عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على السوريين بدل أن يكون محطة جامعة. حضور شخصيات وفصائل مصنّفة على لوائح الإرهاب الدولية، ومدعومة من جهات إقليمية ذات أجندات واضحة، كشف هشاشة الخطاب الوطني الذي جرى تسويقه، فيما غابت قوى وشرائح واسعة تمثل المزاج الشعبي الحقيقي. بدا المؤتمر وكأنه رسالة قوة لا رسالة مصالحة، ورسالة موجهة للخارج أكثر مما هي استحقاق داخلي.
وخلال سنة كاملة من إدارة الحكومة المؤقتة، لم يظهر أي انفتاح جدي على الداخل السوري، ولا أي مسعى حقيقي لمعالجة الجذور العميقة للأزمة. بقيت الملفات الكبرى معلّقة، من الانهيار الاقتصادي إلى غياب العدالة الانتقالية، ومن حقوق القوميات إلى شكل الدولة ونظام الحكم. ساد منطق الانتظار، وكأن الزمن وحده قادر على إنتاج الحلول، بينما الواقع الاجتماعي والسياسي يزداد هشاشة وتعقيدًا.

في موازاة ذلك، شهد الفضاء الإعلامي انفلاتًا خطيرًا، حيث تحوّلت منصات محسوبة على السلطة إلى أدوات تخوين وتحريض، تُمارس الإقصاء تحت شعار «نبذ الفتنة». كل رأي مخالف وُضع في خانة العداء، وكل نقد سياسي صُوّر كتهديد للاستقرار، في استنساخ فج لأساليب لطالما ثار عليها السوريون ودفعوا ثمنها باهظًا.
الأكثر فداحة كان الصمت، أو التواطؤ غير المعلن، إزاء المجازر والانتهاكات التي طالت أبناء الطائفتين العلوية والدرزية. دماء سُفكت، وبيوت انتُهكت، دون محاسبة شفافة أو تحقيقات مستقلة، ما عمّق الشرخ الوطني ورسّخ شعورًا عامًا بانعدام العدالة، وكأن الدولة المؤقتة عاجزة أو غير راغبة في حماية جميع مواطنيها على قدم المساواة.

أما اتفاق العاشر من آذار، فقد بقي حبرًا على ورق من جانب الحكومة المؤقتة، التي اكتفت بترقّب المواعيد دون تنفيذ فعلي لأي من بنوده. في المقابل، استمرت الخروقات العسكرية في مناطق حساسة مثل شيخ مقصود، وسد تشرين، ومناطق واسعة من دير الزور، في تناقض صارخ مع أي خطاب سياسي يتحدث عن التهدئة أو الحل.

ولم يكن التملص من دعوة اللجنة المنبثقة عن كونفرانس السادس والعشرين من نيسان 2025 سوى دليل إضافي على رفض أي مسار وطني مستقل لا يخضع لهيمنة السلطة. ذلك الكونفرانس، الذي عبّر عن إرادة سياسية حقيقية لشرائح واسعة من السوريين، جرى تجاهله لأنه لم يكن قابلًا للتوظيف أو الاحتواء.

نرى بوضوح أن حكومة أحمد الشرع لم تنجح في التحوّل من سلطة أمر واقع إلى سلطة وطنية جامعة. ما جرى هو إدارة أزمة بأدوات قديمة، لا بناء مرحلة انتقالية حقيقية. إن الإصرار على الإقصاء، وتجاهل التعدد القومي والديني، واحتكار القرار السياسي، لن يقود إلا إلى مزيد من التفكك، ويضع سوريا أمام مسارات أكثر خطورة.
إن سوريا الجديدة لا يمكن أن تولد من رحم الإنكار، ولا من خلال إعادة إنتاج الفشل، بل عبر اعتراف صريح بكل مكوّناتها، وحوار وطني شامل، وإنهاء منطق الغلبة، وبناء دولة تقوم على الشراكة والعدالة والكرامة الإنسانية. وهذا ما سيبقى بوصفه موقفًا مبدئيًا لا يخضع للظروف ولا للمساومات.

قد يعجبك ايضا