الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند: تفكيك الدولة وإعادة هندسة توازنات القرن الأفريقي

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بحق إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) في الانفصال عن الدولة الصومالية وإعلان قيام كيان مستقل، بوصفه خطوة دبلوماسية عادية أو موقف سياسي منفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، بل إن هذا التطور يُمثل، في جوهره، ضربة جديدة لتوازنات القرن الأفريقي، ويعكس توجه جديد نحو التعامل مع هشاشة الدول بوصفها فرصة لإعادة هندسة النفوذ الإقليمي والدولي.

من زاوية أولى، يُعزز هذا الاعتراف الانطباع بأن مستقبل الدولة الصومالية بات يدور في فلك التفكك البنيوي، في ظل عجز الحكومة الفيدرالية عن ترسيخ سيادتها الفعلية، واستمرار الانقسامات السياسية والعشائرية، وتنامي الكيانات المحلية التي تتصرف كسلطات أمر واقع.

ومن زاوية ثانية، يبدو أن إثيوبيا هي المستفيد الاستراتيجي الأكبر من هذا المسار، فغياب دولة صومالية قوية وموحدة ينسجم مع المصالح الإثيوبية التقليدية التي قامت، تاريخياً، على منع تشكل قوة صومالية قادرة على التأثير في موازين القوة داخل القرن الأفريقي، وعليه، فإن تفكك الصومال، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يحقق لإثيوبيا هدف جيوسياسي طال السعي إليه، يتمثل في تحييد أحد أهم الفاعلين المحتملين في الإقليم.

في المقابل، تكشف هذه التطورات عن تراجع نسبي للدور الكيني، الذي لم يتمكن حتى الآن من موازنة النفوذ الإثيوبي، غير أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة خروج كينيا من معادلة التنافس الإقليمي، إذ يُحتمل أن تلجأ مستقبلًا إلى أدوات موازنة غير تقليدية، عبر دعم فواعل محلية أو حركات، في إطار صراعات النفوذ غير المباشرة التي باتت سمة أساسية للنظام الإقليمي في القرن الأفريقي.

وعليه، فإن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يُهدد وحدة الصومال فحسب، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي، تقوم على إضعاف الدول الهشة بدل دعم تماسكها، وعلى توظيف النزاعات الداخلية كوسائل لتحقيق مكاسب استراتيجية. وهو مسار، إن استمر، قد يحوّل القرن الأفريقي إلى بؤرة صراع مفتوح تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، على حساب الأمن والاستقرار والتنمية.

قد يعجبك ايضا