السياسة الكوردية: مسار متقدم في شرقٍ أوسطٍ متراجع

حسين موسى

عندما نتأمل واقع الشرق الأوسط اليوم، نرى منطقةً غارقة في النزاعات، والانهيارات الاقتصادية، والأزمات السياسية المتراكمة، حيث بات التوتر هو السمة الغالبة على المشهد الإقليمي. ففي تركيا، على سبيل المثال، تعيش الدولة قلقًا سياسيًا خارجيًا نابعًا من المسألة الكوردية، وهو قلقٌ غير مبرر، أدّى إلى هدر طاقات البلاد دون أن ينعكس نفعًا على المواطن التركي. كما أن تدخلاتها في ملفات مثل قبرص وليبيا، وغيرها من الساحات، لم تجلب مكاسب حقيقية للشعب التركي، بل أسهمت في إضعاف مكانتها السياسية، خاصة في سياسة المدّ والجزر بين روسيا وتركيا.

أما إيران، فقد خسرت جزءًا كبيرًا من طاقتها العسكرية والاقتصادية نتيجة سياساتها المرتبطة بمشروع «الهلال الشيعي»، الذي أثبت فشله، واستنزف قدرات البلاد في حروب اليمن وسوريا ومناطق أخرى. وفي الوقت الذي يمتلك فيه الشعب الإيراني طاقات وإمكانات كبيرة لتطوير بلاده عمرانيًا واقتصاديًا، يعيش المواطن في مستويات متدنية من الفقر، بينما تحوّلت البلاد إلى ساحة صراع نووي لن يكتب له النجاح، كون إيران تعمل ضمن منظومة دولية لا تسمح لها بالتحرك بحرية كاملة.

في المقابل، تبرز كوردستان كنموذج مختلف في المنطقة، إذ تعمل على كسب الدول الخليجية والعربية إلى جانبها، مستندةً إلى رؤية مستقبلية لا تمتلكها قوى أخرى في الشرق الأوسط. وينطبق الأمر ذاته على علاقتها بالدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، اللتين تنظران إلى كوردستان كشريك يسهم في تحقيق التوازن والاستقرار، والدفاع عن المصالح الكوردية في المنطقة.

أما الولايات المتحدة، فترى في كوردستان حليفًا استراتيجيًا مهمًا، وتدرك أن دورها سيكون بارزًا في مستقبل المنطقة. وعلى الرغم من التطور العمراني والاقتصادي والبنية التحتية التي تشهدها كوردستان، فإن أزمة الرواتب شكّلت عائقًا أمام شريحة واسعة من الشعب، إلا أن الإقليم استطاع الصمود في هذه المرحلة الصعبة، رغم الضغوط التي مورست عليه من إيران وأطراف داخلية هدفت إلى إثارة الفوضى والفتنة. ومع ذلك، تمكنت القيادة الكوردية من تجاوز هذه التحديات، والحفاظ على ثقة أغلبية الشعب.

واليوم، تستمر المفاوضات الكوردية على مستوى كوردستان والعراق، حيث ترفض القيادة الكوردية تشكيل أي حكومة ما لم تُلبَّ الشروط الدستورية والقانونية، وفي مقدمتها: قانون الغاز والنفط، ورواتب الموظفين، وتنفيذ المادة (140) من الدستور، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي. وتسير هذه المفاوضات بثبات في اتجاه حماية هذه الحقوق وعدم التفريط بها.

وعليه، يمكن القول إن السياسة الكوردية، بقيادة سروك مسعود بارزاني، تسير اليوم في مراحل متقدمة، في وقت تشهد فيه المنطقة تراجعًا واضحًا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، ما يجعل من التجربة الكوردية نموذجًا متمايزًا في شرق أوسط مضطرب.

قد يعجبك ايضا