ماذا يقصد الكاردينال لويس ساكو بمفهوم التطبيع؟

مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
 
كوني أحد أبناء كركوك، هذه المدينة العريقة المشهورة بتعدد مكوناتها القومية والدينية، حيث يعيش فيها  الكورد و التركمان و العرب و المسيحيين، فإن أبناء كركوك بطبيعتهم أكثر انفتاحاً وقبولاً للآخر، هذا التنوع التاريخي علّمنا معنى التعايش والاحترام المتبادل.
في شهر آب من عام 2003، كنتُ صحفياً شاباً عندما باشر المطران لويس روفائيل ساكو مهامه أسقفاً للكلدان في كركوك. ومنذ ذلك الوقت، نشأت بيننا علاقة قائمة على الاحترام والمعرفة، إذ وجدنا في هذا الرجل رجلَ دينٍ مسيحياً ذا رؤية منفتحة وعقلية متقدمة، يحمل شهادات عليا في الماجستير والدكتوراه، ومن بينها شهادة في الفقه الإسلامي، ما يعكس عمق فهمه للأديان الأخرى.
أتذكر جيداً، خلال سنوات الحرب الطائفية التي عصفت بالبلاد ودمّرت نسيجها الاجتماعي، كيف بادر المطران ساكو إلى إقامة صلاة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين داخل الكنيسة الكاثوليكية في محافظة كركوك. كانت تلك المبادرة رسالة واضحة تهدف إلى تعزيز التقارب الديني والاجتماعي والسياسي، وإيصال صوتٍ إلى العالم مفاده أن التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين، وبين جميع مكونات كركوك، هو أجمل وأقوى من الإرهاب والحروب الطائفية.
لقد كان موقفاً شجاعاً ورمزياً عظيماً، إذ سمح للمسلمين، قبل المسيحيين، بقراءة القرآن الكريم داخل الكنيسة، وسمح بإقامة الأذان قبل قرع نواقيس الكنيسة. وهذا بحد ذاته دليل قاطع على انفتاحه الحضاري والديني، وعلى إيمانه الحقيقي بالأخوة الإنسانية.
وبعد انتخابه بطريركاً للكنيسة الكلدانية، ثم اختياره من قبل قداسة البابا ليُعيَّن كاردينالاً، أصبح الكاردينال لويس ساكو من أبرز الشخصيات الدينية في الفاتيكان بعد قداسة البابا نفسه. وقد واصل من هذا الموقع نشر خطاب السلام والانفتاح العالمي، وبناء جسور الحوار مع مختلف الحضارات والأديان والقوميات، لا سيما في الشرق الأوسط.
لطالما آمن غبطة البطريرك بمقولته الشهيرة:“نحن نرضى أن نكون مظلومين لا ظالمين.” ومن هذا المنطلق، وقف في مواقف إنسانية عديدة إلى جانب الشعب الفلسطيني، لا من باب السياسة، بل من باب القيم الإنسانية والأخلاقية، وفي كل قداس وصلاة خلال أعياد الكنيسة الكاثوليكية، يتم الدعاء من أجل شعوب العالم، وبشكل خاص من أجل إحلال السلام والاستقرار في فلسطين، وأنا، كمسلم من أهل السنة، أشهد شخصياً على هذه الصلوات والمواقف.
وفي أحد لقاءاته مع قناة الشرقية، تحدث غبطة البطريرك لويس ساكو عن ضرورة انفتاح العراق حضارياً وثقافياً على العالم، مؤكداً أن العراق بلد الأنبياء والحضارات، كما أوضح بجلاء ضرورة التمييز بين الأديان والكيانات السياسية، مشدداً على التفريق بين الديانة اليهودية كديانة سماوية، وبين الكيان الصهيوني الإسرائيلي كواقع سياسي.
إن خطاب غبطة البطريرك كان ولا يزال دعوة صريحة إلى السلام العالمي بين الأديان والقوميات، وليس دعوة إلى التأجيج أو التصعيد أو توتير العلاقات، لكن مع الأسف، فُسِّرت تصريحاته بشكل مغلوط من قبل البعض، واعتُبرت على أنها دعوة إلى التطبيع مع إسرائيل، وهو تفسير بعيد عن الحقيقة.
فالكاردينال لويس ساكو ليس رجل سياسة، ولا يمتلك حزباً سياسياً، بل هو رجل دين مثقف ومنفتح، وحديثه عن زيارة قداسة البابا إلى مدينة أور المقدسة جاء في سياق ديني وإنساني وحضاري، لا سياسي ومن واجبنا، نحن النخب الواعية، أن نُميّز بين التطبيع السياسي بين الدول وبين التقارب والحوار بين أتباع الأديان السماوية، إن الخلط بين هذين المفهومين يسيء إلى رسالة السلام التي يحملها رجال الدين الحقيقيون، ويشوّه المعاني السامية التي يدعون إليها.

قد يعجبك ايضا