محمد علي محيي الدين
الشاعر الراحل موفق محمد ترك لنا كثير من قصائده التي تعبّر عن همّ الإنسان العراقي ووجعه وآلامه في ظل الظروف البائسة والمعقدة التي يعيشها. ومن جميل قصائده التي تلامس شغاف الوجدان قصيدته اللافتة (ويسيلُ المذياعُ دماً)، التي أفرغ فيها ما يشعر به من معاناة، مستعرضًا صورًا نابضة من الحياة الشعبية للفرد العراقي. وقد اختار ألفاظه بعناية فائقة، كل مفردة منها تحمل إيحاءها الخاص، ومغزاها العميق، ممزوجًا بين اللغة الفصيحة واللغة الشعبية بتجانس لا يستطيعه إلا القلّة من الشعراء الكبار.
قصيدة “ويسيلُ المذياعُ دمًا” ليست استعادة بريئة لطفولة عابرة، بل هي مرآة عميقة للزمن العراقي المكسور، وصرخة ممزوجة بالحلم والأسى والحرمان. فيها تنقلب الذكرى إلى نواح، والبراءة إلى حزن، والضحك إلى بكاء.
الطفولة في مهبّ البراءة والحاجة
يفتتح الشاعر نصّه بقوله:
“لم نكن نعرفُ الملك، ولم نرهُ
كنّا نعيشُ في أزقةٍ ضيقةٍ، وبيوت أضيق منها
فرحين بما آتانا اللهُ من الرزق الحلال…”
منذ السطر الأول، يرسم الشاعر صورة حنينية إلى الطفولة البسيطة التي لا تعرف السياسة ولا ملوكها، بل تكتفي بالفرح في زقاق ضيق، وبيت أضيق، لكن القناعة تملأ النفوس، والحلم ينبض في العيون. السمك كان “يأتي من النهرِ الى بيتنا راقصًا بعباءة أمي”، والمدرسة تتحوّل إلى مهرجان شعبي من الغناء والأناشيد، حيث يهتف الأطفال بحماس:
“إحنه صف الأول أحسن الصفوف
والميصدك بينه خل يجي ويشوف”
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع عالمًا بريئًا، صادقًا، لا يملك الحلوى، لكنه يملك الفرح. وعندما يخبرهم طفل من الزقاق بأنه لم يذق الحلاوة، لكن ابن بنت عمّه قد “مصّ كاغدها”، يدرك القارئ كم كان الحلم بسيطًا، وكم كان الحرمان شاملاً حتى في أحقر متعه.
إن نجاح الشاعر في تطعيم النص بالمفردة الشعبية لم يكن اعتباطيًا، بل أضفى على النص صدقًا مضاعفًا، إذ إن هذه اللغة هي التي تنطق بها الأمهات الثكالى، وهي التي تصرخ بها الجارات، وتنوح بها الأزقة القديمة:
“كاغد وجاسه الماي كلبي
هكذا صاحت أمي وهي تئن وتلوب وتبكي
أخي الذي جاءها بعد سبع بنات…”
في هذا المشهد تبرز حرارة الفقد، لا بوصفه خبرًا، بل كجسد غائب يظل حيًا في الذاكرة، يتكرّر حضوره كصورة مائية تهذي بها الأم، وتبكي، وتئن، وكأنها ما زالت تسمع ضحكته وهو “يكركرُ” في الماء.
القصيدة تنقلب فجأة إلى واقع القمع والاختطاف:
“لقد أخذه الحكم الجمهوري
طكوه جتاف وصعدوه بالبيك أب
وتحاوروا معه بفوهات بنادقهم”
السلطة هنا ليست نظامًا أو حكمًا، بل كابوسٌ يختطف الأطفال من أحضان أمهاتهم. و”الحوار” يصبح مرادفًا للرعب والرصاص، والبندقية هي أداة الإقناع الوحيدة. والمفارقة أن من أخذوه لم يكن معارضًا أو متمرّدًا، بل كان ابنًا لأم فقيرة لا تطلب من الدنيا سوى أن “تنزل إلى الشط وتغسل له”، لكن ذلك لا يعفيه من العسف.
الرمز والمفارقة… ضحك المعلم وبكاء التلاميذ
“سألنا المعلمُ: ما فائدة الأظافر؟
فأجبناه جميعاً: إنكصع بيها كمل
فيضحك كثيراً
وقتها لم نعرف سبب ضحكه، فبكينا كثيراً”
والمفردة “قصع” فصيحة تعني “قتل القملة بالظفر” كما تقول المعاجم لكنها تلفظ بالكاف الفارسية بدل القاف : هذا المشهد يلخّص جوهر القصيدة. فالطفولة البريئة تتكلم بلغتها العفوية، وتجيب بما تعرفه من بيئتها، لكنها – من حيث لا تدري – تنطق بجواب رمزي مرعب. فالأظافر لا تُذكر في كتب العلوم فقط، بل تُستخدم للدفاع عن النفس في ساحات التحقيق والتعذيب. المعلم يضحك لأنه فهم المغزى، أما الأطفال فبكوا لأنهم لم يفهموا سبب الضحك، لكنه بكاء يُشبه النبوءة.
“ويسيلُ المذياعُ دمًا” ليست مجرد قصيدة، بل شهادة حيّة من شاعر يشبه شعبه، يكتب بدم قلبه، ويستعيد وجوه طفولته لا كذكرى بل كجرح لا يندمل. إن المفردات الشعبية، والبنية السردية، والعمق الرمزي، تجتمع في هذه القصيدة لتجعل منها واحدة من أبرز نصوص الشعر العراقي المعاصر، لا لأنها تسرد، بل لأنها تصرخ، لا لأنها تتأمل، بل لأنها تحترق.
وما تفاعل الجمهور معها – عند سماعها أو قراءتها – إلا دليل على صدقها، فقد عبّرت عمّا يعتمل في الداخل، وما يسكن الروح، وما لا يُقال إلا بالشعر. والشاعر موفق محمد، في هذا النص، لم يكتب عن الماضي فحسب، بل عن ذاكرة وطن، ما زال المذياع فيه يسيل دماً.