من ادب الرحلات.. كوردستان في محراب تاج محل

من ادب الرحلات.. كوردستان في محراب تاج محل

بدل رفو/ النمسا

(زرت تاج محل وعرفته حجرا حجرا وركنا ركنا؛ اما حين قرأت بدل رفو وكأنني لم أزر تاج محل أبدا..)

البروفيسور عبدالاله الصائغ

لم يكن الطريق إلى تاج محل مجرد انتقال جغرافي بالنسبة لي، بل انتقال داخلي يشبه فتح نافذة في صدرٍ ضاق طويلاً. كنت أقترب من أغرا بشعورٍ غامض لا أعرف مصدره، وكأن مسافة الطريق كانت تمهّد روحي لما سأراه، وتدعوني للاستعداد لدهشة نادرة لا تشبه ما عرفته من قبل.

من البوابة الأولى، أحاط بي ذلك الصمت الخاص الذي يسبق اللقاءات المصيرية. الهواء بدا وكأنه يجرّ خلفه ذاكرة أربعة قرون. هنا، في هذا المكان بدأت الحكاية حين رحلت ممتاز محل عام 1630 أثناء وضع طفلها الرابع عشر، وترك الشاه جيهان قلبه معلّقًا بفقدٍ لا يهدأ. وفي العام التالي 1631، انطلقت ورشة بناء لم يعرف التاريخ الهندي مثلها. أكثر من 20 ألف عامل، وحرفيون من أنحاء الهند وآسيا الوسطى، ومعماريون من إيطاليا وفرنسا، اجتمعوا لصياغة ضريحٍ أراده الشاه ليس مبنى، بل جسدًا حجريًا لذاكرته. كلّف المشروع 40 مليون روبية، واستغرقت أعماله 22 عامًا كاملة، حتى اكتمل عام 1653، كأن الزمن نفسه كان ينحت هذا المكان بيدين من صبر.

من البوابة الأولى ايضا، شعرت أنني أدخل صمتًا نظيفًا. ذلك النوع من الصمت الذي يسمعه القلب قبل الأذن. كان الهواء نفسه مختلفًا، خفيفًا، له ملمس رطب يشبه ملامسة فكرة قديمة طال انتظارها. وكلما تقدّمت، كان المكان ينسحب نحوي ببطء، كأن تاج محل يقترب هو الآخر، يعقد معي لقاءً شخصيًا لا مع زائر غريب.

الممر المائي بدا لي كأنه خيط من حلم ممتدّ أمامي. انعكاس التاج على سطح الحوض ليس مجرد صورة، بل نسخة روحية من البناء، ضوء يتحرك تحت الماء، ينكسر، يعود، يشتد، كأن القبة البيضاء تتدرّب على الطيران. كنت أسير وأنا أحاول الإمساك باللحظة، لكنها كانت تنفلت مني مثل رائحة خفيفة تعرف طريقها إلى الذاكرة دون أن تستأذن.

وعندما بلغت الساحة، شعرت أن قدمي توقفتا وحدهما. لم يطلب مني أحد الوقوف، لكن الجسد يعرف أحيانًا متى يتوقف ليحمي القلب من الانهيار أمام الجمال. وكادت الدموع ان تنهمر لولا سيطرتي عليهما، المرمر الأبيض كان حيًّا، هذه أول فكرة خطرت لي. حيٌّ بطريقة يصعب تفسيرها، وكأن الحجر نفسه يتذكّر اليد التي صقلته، والدمعة التي ألهمته، والقصة التي جعلت وجوده ضرورة لا ترفًا وتذكرت قصائد شعراء الكورد حول الحجارة.

كان الضوء ينساب فوق الضريح ببطء، كأنه يقرأ تفاصيله كما أفعل أنا. ينزلق على النقوش، يلامس الخطوط الرفيعة، يتسلل بين الظلال، ثم يستقرّ بخفوت ناعم فوق القبة. بدا لي الضوء في تلك اللحظة كأنه جزء من العمارة، لا شيء عابرًا وكذلك كنت اقرأ الضوء الذي يغزو وجوه الزوار ومشاعرهم في حضرة هذه التحفة.

الأشجار هنا لا تقف، بل تصطفّ بهدوء يشبه صلاة مفتوحة. النافورات البرونزية ترسل الماء إلى الأعلى كأنها تحاول أن تلمس السماء. ونهر جمنا في الخلف، ينساب ببرودٍ مطمئن، وكأنه يتولى مهمة حماية الصرح من ضجيج العالم وانا الكلمات هربت كي ادونها ولم تبق لي سوى الانبهار بهذا المعلم وهل هذه حقيقة بأني احقق حلم الطفولة بزيارة الهند لعشقي الكبير للسنما الهندية وحلم الشباب بزيارة تاج محل؟

في تلك الأجواء، أحسست بأن المسافة بيني وبين الزمن قد اختفت. شعرت بقرب من الشاه جيهان، وكأنني أشارك الرجل حزنه القديم، وأفهم محاولته المستميتة ليمنح حبّه شكلًا لا يصدأ. وأدركت فجأة أن تاج محل ليس تكريمًا لامرأة فقط، بل تكريمًا لكل شيء نخاف أن يضيع: العاطفة، الذاكرة، اللحظةوتكريما للانسان!!

وحين يحلّ الليل، ويرتفع القمر كاملًا في ليلته الرابعة عشرة، يحدث ما يحاول الانسان وصفه لنفسه حين يتحوّل المكان إلى سرّ. القبة تضيء بفضة هادئة، الماء يعكس السماء، والضريح يبدو كأنه يطفو فوق العتمة. كان المشهد شفافًا إلى درجة يخشى الانسان معها أن يتنفّس بقوة فيفسدهفماذا لوكان ذلك شاعرا وفنانا؟

غادرت تاج محل وأنا أعلم أن جزءًا مني بقي هناك، بين المرمر الأبيض وصدى الضوء. بعض الأماكن لا تزورها فقط، بل تُضاف إلى حياتك مثل صفحة لا يمكن نسيانها.


حين غادرت تاج محل شعرتُ أنّ قمم كوردستان تمشي معي خفيفةً في الخطى، وأنّ برد جبالها يضع يده على كتف الهند الدافئة. هناك أدركتُ أنّ للأمكنة صداقة، فالجمال يعرف بعضه، ولو فرقته القارات ومثلما مشت معي كوردستان في ازقة شفشاون  فظلت ترافقني في بقاع العالم !!

قد يعجبك ايضا