أحمد زبير باني
ليست كوردستان مجرد رقعةٍ جغرافية تتجاور فوقها الأديان، بل هي تجربة أخلاقية نادرة في الشرق؛ حيث لم يُختبر التنوّع بوصفه تهديداً، بل فُهِم منذ قرون على أنه شرطٌ للحياة المشتركة. هنا، لم تُبنَ العلاقة بين المسجد والكنيسة ولالش على مبدأ التسامح البارد، بل على الاعتراف العميق بالآخر شريكاً في المعنى والمصير.
في كوردستان، لم يكن الدين يوماً سلاح هوية، بل لغة أخلاق. فالإسلام الذي ترسّخ في وجدان المجتمع الكوردي لم يُقدَّم باعتباره أداة إقصاء، وإنما منظومة قيم قوامها الاحترام وصون الكرامة الإنسانية. لذلك، لم تكن حماية المقدسات المسيحية والإيزيدية فعلاً سياسياً طارئاً، بل ممارسة ثقافية متجذّرة، سبقت القوانين والدساتير، وعاشت طويلاً في السلوك اليومي للناس.
إن التعايش في المجتمع الكوردي ليس شعاراً يُرفع عند الأزمات، بل بنية فكرية تشكّلت عبر التاريخ. فالأعياد لم تُعرف بحدودها الطائفية، والفرح لم يُقسَّم على أساس العقيدة. وكانت التهنئة بالعيد فعلاً أخلاقياً يعكس وعياً جمعياً يرى في اختلاف الآخر إضافةً لا نقصاً، وفي مشاركته طقساً من طقوس تثبيت السلم الأهلي.
ومن هنا، يغدو التطرف ظاهرةً دخيلة على الروح الكوردستانية. فكل خطاب ديني حاد، وكل لغة تكفير أو تحريض، تصطدم مباشرةً مع الذاكرة الأخلاقية للمجتمع. إن من يتحدث باسم الدين ليجرح مشاعر المواطنين لا يعبّر عن عقيدة، بل عن قطيعةٍ مع القيم التي جعلت من كوردستان ملاذاً تاريخياً للمضطهدين، ومكاناً آمناً لمن ضاقت بهم الأوطان.
لقد مثّل نهج البارزاني، في جوهره، تتويجاً سياسياً لهذه الفلسفة المجتمعية. فهو لم يؤسس التعايش من فراغ، بل أعاد صياغته بوصفه خياراً استراتيجياً، مؤكداً أن كوردستان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل بالأخوة، وبالعدالة الرمزية التي تشعر كل مكوّن بأنه في وطنه، لا في ضيافة مؤقتة. وفي هذا النهج، تحوّلت حماية المسيحيين والإيزيديين من واجب أخلاقي إلى التزام وطني، ومن قيمة اجتماعية إلى سياسة عامة.
فلسفياً، يمكن القول إن كوردستان قدّمت نموذجاً مغايراً لفكرة الدولة الدينية الصلبة أو الدولة العلمانية الصلبة على السواء؛ إنها مساحة أخلاقية مفتوحة، تُدار فيها الاختلافات لا لتُلغى، بل لتُفهَم. فالدين هنا ليس سلطة فوق المجتمع، ولا المجتمع خصماً للدين، بل كلاهما يلتقيان في خدمة الإنسان.
إن العنف، حين يُلبس لبوس الدين، لا يدمّر الآخر فحسب، بل يهدم المعنى من الداخل. ولهذا، فإن مقاومة التطرف في كوردستان ليست مسؤولية أمنية فقط، بل واجب فكري وثقافي، يبدأ من المنابر، ويمرّ بالمناهج، ويستقر في الضمير الجمعي. فالوطن الذي بُني على الأخوة لا يمكن أن يُدار بلغة الإقصاء.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه أصوات الكراهية، تظل كوردستان شاهداً على حقيقة بسيطة وعميقة:
أن التنوّع، حين يُدار بالقيم، يتحوّل من مصدر صراع إلى ينبوع حياة.
هنا، حيث يلتقي المسجد والكنيسة ولالش، لا تتنافس العقائد،
بل تتكامل الأخلاق،
ويغدو السلام فعلاً يومياً، لا خطاباً موسمياً.
إن كوردستان، في جوهرها، ليست فقط أرضاً مقدسة بتعدّد أديانها،
بل فكرة إنسانية تقول:
يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً، دون أن يكون إقصائياً؛
ومختلفاً، دون أن يكون عدواً؛
ومتديناً، دون أن يتخلّى عن إنسانيته