في تغيّر التوازنات السياسية في الشرق الأوسط: الكورد رد عاملُ قوةٍ صاعد في المعادلة الإقليمية.

*عبد الرحمن حبش

يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكّل عميقة في بنيته السياسية والأمنية، حيث لم تعد موازين القوة محكومة بالمعادلات التقليدية القائمة على الدول المركزية وحدها، بل باتت الفواعل غير الدولتية، والقوى المحلية المنظمة، جزءًا أساسيًا من المشهد الإقليمي. وفي هذا السياق، يبرز الكورد رد، ولا سيما في سوريا، كأحد أهم عوامل القوة الصاعدة التي فرضت نفسها على طاولة الحسابات الإقليمية والدولية، سواء اعترفت بها القوى التقليدية أم حاولت الالتفاف عليها.

في سوريا، لم يكن صعود الدور الكوردي نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة مسار طويل من التنظيم السياسي والعسكري والإداري، تبلور مع انهيار سلطة الدولة المركزية واتساع رقعة الصراع. استطاعت القوى الكوردية أن تملأ فراغ السلطة في مناطقها، وأن تؤسس نماذج حكم محلية باتت واقعًا سياسيًا وأمنيًا لا يمكن تجاوزه عند البحث في أي تسوية مستقبلية. هذا الواقع حوّل الكورد من طرف مهمّش إلى لاعب لا غنى عنه في معادلة الاستقرار، خصوصًا في شمال سوريا اي( كوردستان سوريا)

الدور الذي لعبه الكورد في محاربة الإرهاب شكّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ اكتسبوا من خلاله شرعية دولية غير مسبوقة، ونسجوا علاقات مباشرة مع قوى دولية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة والتحالف الدولي. هذه العلاقة لم تكن عسكرية فحسب، بل سياسية أيضًا، حيث بات الوجود الكردي عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الدولية الرامية إلى منع عودة الفوضى والتنظيمات المتطرفة، وضبط التوازن مع الفاعلين الإقليميين الآخرين.
في المقابل، وجدت القوى الإقليمية نفسها أمام واقع جديد. فتركيا تنظر إلى أي مكسب كوردي في سوريا باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما تحاول إيران توظيف الورقة الكوردية ضمن صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة، في حين تسعى بعض الدول العربية إلى إعادة التموضع في الملف السوري من بوابة الحد من النفوذ الإيراني، دون الاصطدام المباشر بالوجود الكوردي. هذا التشابك جعل من الكورد عنصر توازن دقيق، وأحيانًا ورقة ضغط متبادلة بين القوى المتصارعة.

اللافت في المرحلة الراهنة أن الخطاب السياسي الكوردي في سوريا بدأ يتجاوز سقف المطالب القومية التقليدية، متجهًا نحو طرح نفسه كشريك في مشروع وطني ديمقراطي لا مركزي، وهو ما ينسجم مع بعض الطروحات الدولية حول مستقبل سوريا. هذا التحول، إن أُحسن استثماره، يمكن أن يعزز من موقع الكورد كجزء من الحل السياسي، لا كعقبة أمامه، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن تسويات مرحلية أو تفاهمات غير معلنة تتعلق بإعادة ترتيب النفوذ في البلاد.

مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة. فالانقسامات الكوردية الداخلية، وتقلب المواقف الدولية، واستمرار الضغوط الإقليمية، كلها عوامل تهدد بتحويل القوة القائمة إلى مكاسب مؤقتة ما لم تُترجم إلى مشروع سياسي موحد وواضح. إن المرحلة المقبلة لن تُدار بالشعارات، بل بالقدرة على قراءة التحولات الدولية بدقة، وبناء تحالفات متوازنة، والحفاظ على القرار الكوردي مستقلًا عن صراعات المحاور.

في ظل تغيّر التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، بات الكُورد، وخصوصًا في سوريا، عنصرًا فاعلًا في رسم المشهد الإقليمي، لا مجرد متلقٍ لنتائجه. والسؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كان للكورد دور في مستقبل المنطقة، بل كيف سيُدار هذا الدور، وهل سيتمكن من التحول إلى قوة سياسية مستدامة تفرض نفسها في أي معادلة إقليمية قادمة.

*سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي

قد يعجبك ايضا