جعفر علي حين كانت السينما فعلاً ثقافياً لا مهنة
مصطفى حسين الفيلي
في تاريخ السينما العراقية أسماء لا تُقاس بعدد الأفلام التي أنجزتها، بل بعمق الأثر الذي تركته. جعفر علي واحد من هؤلاء سينمائي لم يكن يبحث عن الكاميرا بقدر ما كان يبحث عن المعنى.
لم يتعامل جعفر علي مع السينما كصناعة ترفيه، بل كامتداد طبيعي للثقافة، وكفعل وعي في زمن كانت فيه الصورة نادرة، والفكرة أثمن من أي إنتاج. لهذا السبب يُستعاد اسمه اليوم بوصفه أحد الآباء المؤسسين للسينما العراقية، لا لأن أفلامه كثيرة، بل لأنها مشغولة بأسئلة الإنسان والمكان والهوية.
في أفلامه، لا نجد استعراضاً تقنياً، ولا افتتاناً بالشكل على حساب المضمون. الكادر عنده هادئ، محسوب، يخدم الدلالة لا العكس. كان يؤمن بأن السينما لغة، وكل لغة تفقد قيمتها إن لم تكن صادقة. لذلك جاءت أعماله مشبعة بروح المسرح والأدب، حيث الحوار محسوب، والصمت أبلغ من الكلام أحياناً.
فيلم مثل سنوات العمر لا يُشاهد بوصفه وثيقة زمنية فقط، بل بوصفه محاولة لقراءة التحولات الاجتماعية والنفسية للإنسان العراقي. أما نرجس عروس كوردستان، فقد كان خطوة جريئة في زمن صعب، حين قرر أن تكون السينما مساحة اعتراف بالآخر، لا أداة تهميشه.
لكن أثر جعفر علي الأكبر ربما لم يكن على الشاشة فقط، بل في القاعة الدراسية. كأستاذ ومؤسس لقسم السينما في كلية الفنون الجميلة، ساهم في تخريج أجيال لم يتعلموا منه التقنية فحسب، بل تعلّموا احترام الصورة، وفهم مسؤوليتها الأخلاقية والثقافية. كان يكرر بالفعل لا بالقول أن السينما موقف قبل أن تكون مهنة.
اليوم، ونحن نعيش زمن السرعة والوفرة البصرية، تبدو تجربة جعفر علي أشبه بدرس متأخر أن السينما لا تحتاج دائماً إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى رؤية واضحة، وإيمان بأن الصورة يمكن أن تكون فعلاً إنسانياً نبيلاً.
استعادة جعفر علي ليست حنيناً إلى الماضي، بل ضرورة لفهم كيف يمكن للسينما العراقية أن تستعيد معناها، لا عبر تقليد الآخرين، بل عبر الإصغاء إلى جذورها الأولى حيث وقف رجل هادئ، بكاميرا بسيطة، ليقول إن السينما تبدأ من الفكر، وتنتهي بالإنسان.