زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة وصراعات المنطقة، ولادة الشرق الأوسط جديد..

 
 مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن
 
يعاني الشرق الأوسط منذ أكثر من قرن من الزمن سلسلة متواصلة من الصراعات السياسية والعسكرية، نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية حوّلت الخلافات الطبيعية بين الدول والمجتمعات إلى نزاعات مزمنة. وقد أدّت هذه الصراعات إلى زعزعة الاستقرار وإعادة رسم ملامح المنطقة أكثر من مرة، بدأت التحولات الكبرى مع حرب تحرير العراق، ثم تلتها أحداث ما يُعرف بالربيع العربي، والتي أسفرت عن تغييرات جذرية في عدد من الأنظمة السياسية في العالم العربي. هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات داخلية، بل شكّلت نقطة انعطاف قلبت التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط بأكمله.
في مصر، وبعد التغيير السياسي الكبير، تمكن الشعب المصري من استعادة دور بلاده التاريخي، لتعود مصر لاعبًا محوريًا وقوة مركزية في العالم العربي. فقد كان لمصر، ولا يزال، دور أساسي في صياغة القرار السياسي العربي، والمساهمة في استقرار المنطقة وبناء توازناتها الجديدة، وفي هذا السياق الإقليمي المتغير، تأتي الزيارة الرسمية التي قام بها دولة رئيس وزراء إقليم كوردستان، السيد(مسرور بارزاني)، إلى العاصمة المصرية القاهرة، برفقة معالي وزير داخلية إقليم كوردستان ورئيس جهاز وكالة حماية الأمن اقلیم کوردستان، وقد حظيت الزيارة باستقبال رسمي حافل، شمل لقاءً مع فخامة الرئيس (عبد الفتاح السيسي)، وعدد من كبار المسؤولين والوزراء في الدولة المصرية
تعكس هذه اللقاءات مؤشرات واضحة على بوادر تحولات أمنية وجيوسياسية ودبلوماسية في المنطقة، وتؤكد أهمية التنسيق والتعاون بين القوى الفاعلة لمواجهة التحديات المشتركة، ولا سيما في مجالات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، وتأتي زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة بعد زيارات رسمية سابقة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في توقيت حساس أعقب الهجوم الإرهابي على حقل غاز (كورمور)، الذي تستثمره شركة دانة غاز، ما يسلّط الضوء على أهمية أمن الطاقة في المعادلات الإقليمية الجديدة.
كما أن هذا اللقاء يعيد إلى الذاكرة العلاقات التاريخية العميقة بين مصر وكوردستان، ويستحضر مشهد الاستقبال التاريخي الذي حظي به الزعيم الكوردي الخالد (مصطفى البارزاني)، من قبل الزعيم العربي الراحل(جمال عبد الناصر)، في دلالة رمزية على عمق الروابط السياسية والوجدانية بين الجانبين.
إن العلاقات بين مصر حكومةً وشعبًا، والشعب الكوردي، ليست وليدة اليوم، بل هي علاقات قديمة ومتجذّرة، قائمة على الاحترام المتبادل والصداقة المتينة، والتطلّع المشترك إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا وتعاونًا، وفي ظل المتغيرات الراهنة، تبدو هذه الزيارات خطوة مهمة نحو بلورة نظام إقليمي جديد، قد يشكّل ملامح “شرق أوسط كبير” قائم على الشراكة، لا الصراع.

قد يعجبك ايضا