محمد علي محيي الدين
من ضفاف الفرات التي لا تكف عن ترتيل حكايا الحضارة، ومن فيء نخل الحلة الذي يلقي بظلاله الحانية على الوجوه المتعبة، يطل علينا الفنان محمد المرعب بنتاجه الأدبي الأول الصادر عن دار الصواف، حاملاً عنواناً يفوح منه عطر الماضي القريب: (عگدنه). هذا الكتاب ليس مجرد تدوين لذكريات عابرة، بل هو كما وصفه مؤلفه “سيرة وجود”، ورحلة استقصائية في أعماق مدينة حالمة تغفو على صدر النهر، مدينةٍ عُرفت عبر تاريخها الطويل بأنها مختبرٌ للتعايش السلمي، حيث انصهرت في أزقتها الأديان والمذاهب والقوميات لتشكل نسيجاً إنسانياً فريداً، لا يجمعه الجوار الجغرافي فحسب، بل توحده وشيجة الروح والمصير المشترك.
يستهل المرعب رحلته بقيادتنا إلى “العگد” ذلك الحيز المكاني الذي تحول في مخيلته وفي الواقع إلى وطن مصغر. هنا، في عراق الخمسينيات من القرن العشرين، كانت الحياة تنساب بهدوء يشبه تدفق الفرات في مواسمه الوديعة. يأخذنا الكاتب في مقارنة بصرية وحسية بين زمنين، متلمساً الفوارق الجوهرية التي طرأت على ملامح المجتمع العراقي؛ ففي تلك الحقبة، لم تكن الحداثة قد مزقت بعد خيوط الألفة الاجتماعية، وكان “الزقاق” هو المدرسة الأولى التي تُلقن دروس المحبة والتضامن. لقد كان “عگدنه” يضم عوائل متباينة في تكوينها الاجتماعي واقتصاداتها، لكنها كانت تتماسك في بوتقة واحدة من الوداد، حيث تذوب الفوارق الطبقية عند عتبات البيوت المفتوحة، وتتحول الجيرة إلى رابطة دم لا تنفصم عراها.
وفي ثنايا هذا السرد الشجي، يتوسع المرعب في وصف ملامح الحياة اليومية والعادات الحلية التي طبعت تلك الحقبة بنكهة خاصة. فالحلة، ببيوتها ذات الشناشيل وأبوابها الخشبية العتيقة، كانت مسرحاً لتقاليد اجتماعية حميمة؛ حيث كانت “الكسلة” و”العصرية” طقوساً مقدسة تجتمع فيها النساء لتداول أخبار الحي وتبادل أطباق الطعام التي تدور بين البيوت قبل أن تستقر على مائدة صاحبها، في تجسيد حي لمفهوم “الزاد والملح”. إن التعامل الإنساني في ذلك الزقاق كان قائماً على أسس المساواة المطلقة؛ فالغني يتفقد الفقير دون منّة، والقوي يعين الضعيف بصمت المهذبين، مما خلق حالة من التكافل الاجتماعي التلقائي الذي غاب في ضجيج الحياة المعاصرة وعزلتها الاختيارية.

ولا يغفل الكاتب عن الربط بين المكان والتحولات الكبرى التي عصفت بالعراق، لا سيما تلك الفترة المفصلية التي تلت ثورة 14 تموز 1958. يرصد المرعب بعين الفنان وقلب المؤرخ تلك الهزات التي تعرضت لها المدينة، وكيف انعكست التحولات السياسية على الروابط الاجتماعية، مبرزةً نتائج وأحداثاً أعادت تشكيل الوعي الجمعي. ورغم العواصف السياسية، يظل الكاتب مخلصاً لشخوص زقاقه، فيقدم كشفاً جلياً عن الأسر الحلية التي سكنت المكان، والوافدين الذين جاؤوا من مدن شتى وقوميات متباينة، لينصهروا جميعاً في الهوية الحلية، سائرين على خطى الآباء في احترام قواعد الجيرة وتطويرها لتلائم روح العصر، مؤكداً أن التواصل الإنساني ظل جسراً ممتداً لم تؤثر فيه عوامل الزمن اللاحقة، بل بقي متيناً تملؤه المحبة ويصحبه الوفاء.
ويزداد المقال ثراءً حين يعرج المؤلف على عالم الصبية، مستحضراً “ألعاب المحلة” التي كانت تملأ الأزقة بالحيوية، من “المحيبس” في ليالي رمضان إلى ألعاب الصيد والمطاردة التي كانت تصقل أبدانهم وأرواحهم. وزين “المرعب” صفحات كتابه بصور ملونة، لا تعمل كمجرد توضيح، بل كوثائق بصرية تعيد الحياة لشخصيات حلية تركت أثراً عميقاً في مسيرته، ومنهم من غدا لاحقاً من أعلام العراق ومشاهيره في مجالات الفكر والأدب والفن، وكأن هذا الزقاق الضيق كان الرحم الذي أنجب عباقرة البلاد. إن كتاب (عگدنه) يمثل إضافة نوعية للمكتبة التراثية، ووثيقة هامة في تاريخ المدينة، فهو ينضم إلى تلك الجهود المخلصة التي انبرت لتدوين تاريخ المحلات والأسر الحلية، ليقف كشاهد عدل على نبل الماضي وعطاء الحلة المستمر، مذكراً إيانا بأن الأمكنة ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي ذاكرةٌ حية تنبض فينا ما دمنا نحفظ ودادها ونروي حكاياتها للأجيال القادمة.
