محمد قفطان
لكوني متابعاً نهماً للأعمال التلفزيونية والسينمائية، ولأننا نعيش في عصر “الصورة”، لطالما آمنت بأن العمل الفني هو “ميثاق شرف” غير مكتوب بين الصانع والمُتلقي؛ ميثاق يقضي بأن يحمل العمل قصة مكتملة الأركان، واضحة الهوية، وتسير في اتجاه واحد لا يقبل التشتت. فالمشاهد حين يختار عملاً ما، فإنه يختار “نوعاً” محدداً من المشاعر والتجارب؛ فالعمل الرومانسي يجب أن يخلص للعاطفة، وأفلام الحركة يجب أن تخلص للصراع، دون أن تتداخل الخطوط لتشكل نسيجاً مشوهاً يضيع فيه المشاهد وتضيع فيه الحكاية. ولكن، ثمة فيروس بدأ ينخر في جسد الدراما مؤخراً، يمكننا أن نطلق عليه اصطلاحاً “سُعار الأجندة”. والمقصود هنا ليس “الرسالة” النبيلة التي يحملها أي فن، بل تلك الرسائل المقحمة قسراً، والدخيلة على السياق، التي تخترق البنية الدرامية لتخدم توجهاً سياسياً أو فكرياً لا علاقة له بأصل الحكاية، مما يحيل العمل الفني من متعة بصرية إلى “منشور سياسي” فج.
ولعل الدراما التركية تمثل “المسرح الأوضح” لهذا الارتباك في الهوية. لنأخذ مثلاً مسلسل “وادي الذئاب”؛ هذا العمل يكاد يكون الأشهر في المنطقة، ورغم حمولته السياسية الثقيلة، إلا أنه نجح لأنه كان “خالصاً” منذ اللحظة الأولى. لقد قدم نفسه كعمل سياسي مخابراتي يتحدث عن الدولة العميقة والعالم السفلي، فكانت الأجندة هي صلب القصة لا دخيلة عليها، ودخل المشاهد هذا العالم وهو يعرف قوانينه مسبقاً. لكن في المقابل، نجد الانتكاسة واضحة في مسلسلات أخرى تبدأ بوعود مختلفة تماماً، كمسلسل “حلم أشرف” -وغيره من النماذج الشبيهة- التي تنطلق كدراما اجتماعية، أو قصص “مافيا” وعصابات شوارع ممزوجة بالرومانسية، وفجأة، ودون مبرر درامي مقنع، تتدخل “أجندة المخابرات” والدولة العميقة لتقلب الطاولة.
حين يتم إقحام الغموض المفتعل، وتظهر شخصيات نمطية مثل “العجوز” الذي لا يُرى وجهه، أو “المختار” الذي لا يُعرف اسمه لكنه يدير الدولة من غرفة مظلمة ويتحكم بتجارة المخدرات والسياسة، هنا تحديداً تنتفي قيمة القصة الأصلية، ويهتز المسار. إن هذه النقلة المفاجئة تقتل الحبكة في الصميم؛ لأن العمل لم يؤسس ليكون سياسياً، بل كان صراع بقاء إنساني، فتحول بفعل “الأجندة” إلى مسخ درامي، لا هو حافظ على جمهوره الذي جاء للقصة الإنسانية، ولا هو أقنع جمهور السياسة بجدية الطرح، ليصبح العمل تائهاً في منطقة رمادية، والسبب هو رغبة الصانع في بث رسائل عن “العوالم المظلمة” في مكان ليس مكانها.
ولا يقتصر هذا “السُعار” على الشرق، بل نراه بوضوح في منصات عالمية مثل “نتفليكس”، التي باتت تضحي بالمنطق التاريخي والسردي في سبيل “قوائم” التنوع والأجندات الاجتماعية، مما يُخرج المشاهد من حالة الاندماج إلى حالة التساؤل عن جدوى هذه الإقحامات التي لا تخدم النص. إن ما تفعله الأجندة بالفن هو أنها تجرده من “عفويته”، وتحول الشخصيات من كائنات حية تتفاعل بمنطقية، إلى مجرد أبواق تنطق بما يُملى عليها من خارج النص.
ختاماً، إننا بحاجة ماسة للعودة إلى قاعدة “الفن للفن، والقصة للقصة”. نود لو أن القائمين على الصناعة يتعلمون “فصل المسارات”، ومنع تداخل العوالم بشكل عبثي. فالقصة القوية هي التي تفرض أجندتها الإنسانية بنفسها، دون الحاجة لتدخل جراحي من “الدولة العميقة” أو “الأفكار المعلبة”. المشاهد ذكي بما يكفي ليميز بين “الحبكة” وبين “الخطبة”، وبين الفن الخالص وبين الفن الموجه الذي يفقد بريقه بمجرد أن يحاول أن يكون شياً آخر غير نفسه.