أ.د.خليل مصطفى عثمان
ليس التاريخ مجرد سردٍ لما جرى، بل هو قبل ذلك طريقة لفهم ما نحن عليه الآن. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة التجربة الكوردية بوصفها سلسلة من الهزائم أو الإخفاقات السياسية فحسب، بل باعتبارها استجابة طويلة ومعقّدة لتحديات كبرى فرضتها الإمبراطوريات، ثم الدولة القومية، ثم النظام الدولي الحديث.
يقدّم المؤرخ الأمريكي فيليب كورتن، في كتابه الشهير “العالم والغرب”، إطارًا نظريًا بالغ الأهمية لفهم هذا النوع من التجارب. فهو لا يرى أن الغرب “صنع” تاريخ العالم وحده، بل يؤكد أن الشعوب غير الغربية تفاعلت، وواجهت، واختارت، وأن هذا الاختيار—حتى حين يفشل—يبقى فعلًا تاريخيًا لا يمكن تجاهله.
بالنسبة للكورد، لم يكن التحدي الأوروبي مجرد احتلال مباشر، كما في حالات أخرى، بل جاء غالبًا بصورة غير مباشرة: عبر تفكيك الإمبراطوريات التقليدية، وفرض نموذج الدولة القومية المركزية، وإعادة رسم الحدود وفق مصالح القوى الكبرى.
سقوط الدولة العثمانية لم يكن تحريرًا للكورد، بقدر ما كانت بداية مأزق جديد. فقد وجدوا أنفسهم موزعين بين أربع دول، كل واحدة منها تنظر إلى التعدد القومي بوصفه تهديدًا وجوديًا. وهنا بدأ التحدي الحقيقي: كيف تحافظ جماعة تاريخية على ذاتها في نظام سياسي لا يعترف إلا بالأمة الواحدة؟
في مواجهة هذا التحدي، كانت أولى الاستجابات الكوردية هي الرفض. لم يكن الرفض خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان غريزة بقاء. الثورات الكردية المتعاقبة—من الشيخ عبيد الله النهري، إلى الشيخ احمد البارزاني، إلى حركات لاحقة—لم تكن فقط مطالب سياسية، بل احتجاجًا على نفي الوجود ذاته.
في هذه اللحظة، تتحول الهوية من مفهوم ثقافي إلى سلاح سياسي. اللغة، العشيرة، الجبل، وحتى الذاكرة الجماعية، تصبح أدوات مقاومة. وكما يوضح كورتن، فإن المجتمعات حين تُحاصر وجوديًا، غالبًا ما تختار المقاومة حتى لو كانت كلفتها عالية، لأن البديل هو الذوبان.
غير أن الرفض وحده لا يصنع مستقبلًا. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر داخل المجتمع الكوردي أصوات تسأل: هل يمكن استخدام أدوات العالم الحديث بدل الاكتفاء بمقاومته؟
هنا يبرز ما يسميه كورتن التحديث الدفاعي: أي اقتباس عناصر من الحداثة—الدولة، التعليم، التنظيم السياسي—ليس من أجل التشبه بالغرب، بل من أجل حماية الذات. تجربة جمهورية كوردستان(1946) مثال مبكر على هذا الوعي؛ فقد حاولت بناء مؤسسات حديثة دون أن تفقد معناها القومي.
وفي مرحلة لاحقة، يمكن قراءة تجربة إقليم كردستان العراق(1992-2003) بوصفها تطورًا لهذا المسار. فاللجوء إلى البرلمان، والدستور، والعلاقات الدولية، ليس تخليًا عن القضية، بل محاولة لإعادة صياغتها بلغة العصر. الحداثة هنا ليست خلاصًا، لكنها لم تعد عدوًا مطلقًا.
كثيرًا ما يُنتقد الكورد بسبب تعدد خياراتهم: مقاومة هنا، سياسة هناك، تفاوض ثم صدام. لكن هذا النقد يفترض أن التاريخ مسار مستقيم، بينما هو في الحقيقة مسار متعرج.
وفق قراءة كورتن، فإن المجتمعات التي تواجه تحديات مركبة لا تمتلك رفاهية الخيار الواحد. التعدد في الاستجابة ليس علامة ارتباك، بل استراتيجية تكيف. الانتقال من الجبل إلى المؤسسة، ومن الثورة إلى السياسة، لا يعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة تعريف أدوات النضال.
وهنا تبرز مفارقة عميقة: ما يُنظر إليه بوصفه انقسامًا، هو في الواقع توزيع للأدوار التاريخية.
في عمق هذا النقاش، يطفو سؤال فلسفي أكبر: هل الدولة القومية هي الغاية النهائية لكل جماعة تاريخية؟ أم أنها مجرد إحدى أدوات التنظيم السياسي؟
التجربة الكوردية تضع هذا السؤال بقوة. فعدم قيام دولة مستقلة لم يمنع تشكّل وعي قومي، ولا توقف الفعل السياسي. وربما يدفع ذلك إلى إعادة التفكير في مفهوم النجاح والفشل ذاتهما. فالبقاء، وإعادة إنتاج الهوية، وفرض الحضور في الوعي العالمي، كلها أشكال من النجاح التاريخي غير التقليدي.
إن قراءة التاريخ الكوردي من زاوية التحدي والاستجابة تُحرّر هذا التاريخ من عقدة الضحية، دون أن تنكر المظلومية. إنها قراءة ترى في الكورد فاعلين في التاريخ، لا هامشًا له.
واليوم، في عالم يتجه نحو ما بعد القومية، وتتشقق فيه الدولة الصلبة، قد تكون التجربة الكوردية—بكل تعقيدها—أقرب إلى روح العصر مما يبدو. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعلّمنا أن الاستجابة الذكية للتحديات هي التي تحوّل الذاكرة إلى قوة، لا إلى عبء.
تُظهر التجربة الكوردية، عند قراءتها في ضوء نموذج التحدي والاستجابة، أن الكورد لم يكونوا ضحية صامتة للتاريخ، بل فاعلين واجهوا الإمبراطوريات والدولة القومية بخيارات متعددة. تراوحت استجاباتهم بين المقاومة دفاعًا عن الهوية والتحديث الدفاعي بوصفه أداة للبقاء لا للاستلاب. هذا التعدد لم يكن ضعفًا بنيويًا، بل تعبيرًا عن مرونة تاريخية في مواجهة واقع غير متكافئ. ورغم تعثّر مشروع الدولة، حافظ الكورد على حضورهم السياسي والثقافي. وهكذا يتحول التاريخ الكوردي من سردية فشل إلى درس في الاستمرار وإعادة إنتاج الذات.