أهرامات الأخوّة مصر وكوردستان بين التاريخ والحضارة

ياسر بادلي

وصل رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، إلى جمهورية مصر الفرعونية للقاء فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في زيارة تحمل دلالات عميقة على المستويين السياسي والثقافي، وتعكس مكانة العلاقة الخاصة التي تجمع الشعبين الكوردي والمصري. فهذه الزيارة لا يمكن اختزالها في إطارها البروتوكولي، بل تمثل تأكيداً جديداً على صلة تاريخية راسخة، قوامها الاحترام المتبادل والتقارب الحضاري عبر عقود طويلة.
لقد أشرتُ في كتابي الصادر عام 2010 بعنوان «الأكراد والعلاقات المصرية–الكوردية» (دار رؤية للنشر والتوزيع) إلى أن هذه العلاقة تتجاوز حدود التواصل الدبلوماسي التقليدي، لتشكّل أحد المفاتيح المهمة لاستقرار الشرق الأوسط. فمصر، بما تمثله من ثقل سياسي ودور حضاري وريادي، كانت ولا تزال دولة محورية في المنطقة، ودعمها لعلاقات متوازنة مع كوردستان يعكس رؤية حكيمة وحرصاً واضحاً على تعزيز جسور الصداقة مع شعوب المنطقة كافة.
إن الشعب الكوردي يكنّ تقديراً عميقاً للأخوة المصرية، إذ تجمع الشعبين روابط ثقافية وسياسية وحضارية متجذّرة في التاريخ. فمنذ عقود بعيدة، كانت مصر حاضنةً للعديد من المحطات المفصلية في التاريخ الكوردي؛ فقد استقبلت الملا مصطفى البارزاني عام 1958 بعد عودته من الاتحاد السوفيتي، كما شهدت القاهرة صدور أول جريدة كوردية عام 1898 على يد مقداد بدرخان، في دلالة واضحة على عمق التواصل الثقافي والفكري بين الطرفين.
وعلى امتداد العصور، أسهم الأكراد في إثراء الحضارة المصرية، منذ العصور القديمة والوسطى وحتى العصر الحديث، وهو ما يتجلى في حضور شخصيات ذات جذور كردية تركت بصمات مؤثرة في التاريخ والسياسة والفن. وإذا ما تأملنا صفحات التاريخ، نجد الملكة نفرتيتي، التي يُشار إليها بوصفها أم الكورد، رمزاً للقوة والجمال والحكمة في مصر الفرعونية. كما يبرز اسم محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، الذي كان له دور محوري في تحديث الدولة وبناء مؤسساتها، إلى جانب شخصيات أخرى مثل محمد علي عوني الذي عمل في ديوان الملك فاروق وأسهم في الحياة السياسية آنذاك.
وفي المجال الثقافي والفني، كان للحضور الكوردي أثر لا يُنكر، إذ قدّم فنانون ومثقفون من أصول كردية إسهامات خالدة في الوجدان المصري والعربي، مثل سعاد حسني، وأمير الشعراء أحمد شوقي، ومحمد عبدو ، ودرية عوني، وعلي بدرخان، وغيرهم ممن أغنوا الساحة الفنية والفكرية وأثروا الثقافة المصرية بنتاجهم الإبداعي.
إن العلاقة بين مصر وكوردستان ليست مجرد ذاكرة تاريخية مشتركة، بل هي جسر حيّ يمتد بين الماضي والحاضر، ويؤسس لمستقبل أكثر توازناً وإشراقاً. فمصر، بما تمتلكه من قوة حضارية وثقل سياسي، تمثل فرصة حقيقية للشعب الكوردي لتعزيز مكانته السياسية والثقافية على المستويين الإقليمي والدولي. ومن هنا، تبرز أهمية أن يتعامل الأكراد مع هذه العلاقة بجدية ووعي، وأن يعملوا على تطويرها وتوسيعها في مختلف المجالات، لأن الشراكة مع دولة بحجم ومكانة مصر يمكن أن تسهم في معالجة العديد من القضايا المصيرية وتعزيز الاستقرار والازدهار.
إن العلاقات المصرية الكوردية تمثل مثالاً حياً على قدرة التاريخ والثقافة والأخوة الصادقة على التحول إلى قوة سياسية وحضارية مؤثرة. فالشعوب التي تصون روابطها التاريخية وتحافظ على إرثها الثقافي المشترك، هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر سلاماً، وأكثر إشراقاً للأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا