أزمة الاعتراف بالجامعات بين أربيل وبغداد: شهادة من قلب التجربة

أ.د. محمد صديق خوشناو

تعود أزمة الاعتراف بالمؤسسات الأكاديمية بين وزارة التعليم العالي في إقليم كوردستان ووزارة التعليم العالي في الحكومة الاتحادية إلى الواجهة من جديد، لكنها لم تعد قضية إدارية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تمسّ مستقبل آلاف الطلبة وتضع سمعة التعليم العالي العراقي على المحك.

ومن موقع التجربة المباشرة في هذا القطاع، أجد أن من واجبي تسجيل شهادة مهنية صادقة. لقد عملتُ لأكثر من ست سنوات في الجامعات الحكومية في أربيل، وأكثر من عشر سنوات في إدارة الجامعات الأهلية حيث تشرفتُ برئاسة جامعتين: جامعة صلاح الدين في أربيل كجامعة حكومية، والجامعة اللبنانية الفرنسية في أربيل كجامعة أهلية. وخلال هذه المسيرة، عايشت عن قرب عمق الخلل في ملف الاعتراف الأكاديمي بين جامعات إقليم كوردستان وجامعات الحكومة الاتحادية.

إن ما عبّر عنه صديقي الأستاذ محمد عنوز يعكس حقيقة المشكلة، وهو محقّ حين أكد أن سياسة عدم الاعتراف المتبادل لا تخدم التعليم ولا تصبّ في مصلحة الطلبة، بل تجعلهم وقوداً لخلافات إدارية لا علاقة لهم بها.

المشكلة لا تقتصر على جامعات الإقليم وحدها، ولا تقع على جامعات الحكومة الاتحادية فقط، بل تتعلق بغياب منظومة وطنية موحّدة للاعتماد الأكاديمي. إن التعامل مع هذا الملف بمنطق الردّ على القرار بقرار مضاد لن يُنتج حلاً، بل يوسع فجوة عدم الثقة داخل المنظومة التعليمية.

قبل اقل من سنتين قمتُ بزيارة رسمية إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة الاتحادية في بغداد، في مهمة لإعادة القسم الكوردي في كلية ابن رشد – جامعة بغداد – إلى الانسيابية ضمن القبول المركزي. وقد وجدت تعاوناً مشكوراً، وأُعيد القسم فعلاً إلى القبول المركزي في ذلك الوقت.

وخلال تلك الزيارة، عبّر لي معالي وزير التعليم العالي في الحكومة الاتحادية آنذاك عن امتعاضه من عدم اعتراف إقليم كوردستان ببعض الجامعات، مؤكداً أنه مضطر للردّ بقرارات مماثلة تجاه جامعات الإقليم. وكان ردي واضحاً: لا يمكن إصلاح الخلل بخلق خللٍ مقابل.

طلبتُ من معالي الوزير أن يمنحني فرصة للعودة إلى الإقليم لطرح الملف على الجهات المعنية، وبالفعل عدتُ والتقيتُ بالسيد وكيل وزارة التعليم العالي في إقليم كوردستان، وكنت واضحاً معه: إن الطلبة في جامعات الإقليم وجامعات الحكومة الاتحادية هم الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن هذا الصراع، وهم لا علاقة لهم بهذه القرارات.

وأوضحتُ أن الحل لا يكون بالإلغاء ولا بالمقاطعة، بل بتأسيس نظام تقييم علمي مستقل يحدد بوضوح أي الجامعات رصينة، وما هي الأسس العلمية والمعايير الأكاديمية التي تُبنى عليها قرارات الاعتراف، بعيداً عن الحسابات السياسية أو الإدارية.

إن العراق بلدٌ اتحادي، ويجب أن يُدار ملف التعليم العالي بروح الدولة الواحدة لا بمنطق الصلاحيات المتصارعة. فجامعات إقليم كوردستان وجامعات الحكومة الاتحادية تمثل منظومة وطنية واحدة في الجوهر، ويجب أن تخضع لمعايير مهنية موحّدة.

ولهذا، فإن الحل الحقيقي يكمن في تشكيل هيئة وطنية مستقلة للاعتماد الأكاديمي، تضم خبراء من داخل العراق وخارجه، تعمل وفق معايير دولية واضحة وشفافة، وتكون قراراتها ملزمة لجامعات الإقليم وجامعات الحكومة الاتحادية على حد سواء، بما يضمن حماية سمعة التعليم العراقي، وصيانة مستقبل الطلبة من ضياع لا يستحقونه.

فالتعليم ليس ساحة خلاف، بل ركيزة سيادة ومستقبل وطن.

قد يعجبك ايضا