قربان آل يونس.. المدينة والانتماء والحوت!

محمود صالح شيرواني

نينوى، ومركزها الموصل والغنية عن التعريف، ثاني أكبر محافظة عراقية، احتلها تنظيم داعش الإرهابي سنة 2014، وتمكنت القوات العراقية والبيشمركة من تحريرها سنة 2017. في هذه المدينة تدور أحداث رواية الدكتور أحمد خيري العمري، الكاتب العراقي المعروف، “قربان آل يونس”، بعد عشر سنوات من غزو التنظيم للمدينة.

عن الرواية، أسئلة مدخلية تجيب عنها:

عزيزي القارئ، ماذا لو استيقظت في صباح ما ووجدت مدينتك الأم التي تعيش فيها قد سيطر عليها أجرم تنظيم متشدد وإرهابي في العالم؟ كيف ستتصرف؟ هل ستتركها نزوحًا أم ستظل فيها لتواجه القوانين الصارمة وغير الإنسانية الخاصة بالتنظيم تُطبق عليك؟ وماذا لو لم تكن تملك خيار الخروج منها أساسًا، أو خيار المقاومة، وأصبحت قربانًا يُقدم لهذا التنظيم وللمؤامرات والصراعات الإقليمية والدولية وحتى الداخلية؟ ومن جهة أخرى، وبعد سيطرة هذا التنظيم على مدينتك، ستسأل أسئلة شرعية وواقعية، من سمح بسيطرة التنظيم على المدينة؟ وكيف؟ ولأية أهداف، ومن المسؤول الأول عن سقوطها؟ وما دور القوات الأمنية والجيش في ذلك؟ ولماذا سمحت الدولة بسقوطها؟ وقبل هذا، هل كانت المدينة مهيأة لقَبول هذا التنظيم؟ هل سكان المدينة كانوا يشعرون بالغربة عن الدولة التي ينتمون لها حتى يؤيدوا في لحظة ما أي تنظيم يأتي ليسيطر على مدينتهم؟ ما الذي حدث قبل أن يحدث كل هذا؟ وكيف حدث كل ما حدث؟
ومن جهة أخرى مختلفة، عزيزي القارئ:
ماذا لو كنت تنتمي إلى عائلة عريقة ومشهورة في المدينة التي ينتمي لها أبواك، ولكنك لم تولد فيها، ولا تعرف عنها إلا أشياء قليلة، ولكن فجأة تشاء ظروف العمل أن تسافر إليها وتكتشف أنك ابن أصيل لتلك المدينة، وابن صار يبحث عن ذاته المشتتة وانتمائه العائلي، ولكن كل هذا لا يأتي بلا مقابل، فمع البحث تُكتشف أسرار كبيرة وخطيرة، إنْ عن العائلة أو عن المدينة. فهل تستطيع بعد أن تكشفت أمامك أوراق عائلتك ومدينتك أن تتخلى عنها، بعد أن اكتشفت أن ذاتك رممتها فيهما؟ وهل أنت مستعد أن تحافظ على أسرار العائلة الخطيرة المتعلقة بمصيرها؟ هل أنت مستعد أن تفهم وتتقبل طبيعة أهل المدينة كما هم عليها؟

الرواية، قربان آل يونس:

كل هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، ستجد الإجابة عنها في فصول رواية “قربان آل يونس” آلـ 47، والتي تقع في 367 صفحة. تبدأ الرواية بوجود المهندس المعماري الأمريكي صهيب آل يونس، والتي لم يزر مدينة الموصل من قبل، في أحد فنادق الموصل، بعد أن فاز بمسابقة كبيرة لإعادة تصميم المدينة بعد سنوات من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على المدينة، وبالذات لإعادة تصميم جامع النبي يونس “عليه السلام” الذي دمره التنظيم في عام 2014.
ويبدأ المهندس صهيب باكتشاف المدينة وما مرت بها من أحداث في أثناء حكم التنظيم الإرهابي، ويبدأ أيضًا بالتعرف على أفراد من عائلة والده المهمة في الموصل، عائلة “آل يونس”.
يكتشف صهيب، أول ما يكتشف “الخسفة”، والخسفة هي حفرة عملاقة وعميقة في جنوب الموصل كان الدواعش يرمون فيها الجثث. ويقدر أن عدد الأشخاص الذي أعدمهم الدواعش ورُموا في الحفرة 25 ألف إنسان.
ونعرف من الرواية أن أهل الموصل، فيما بينهم، ينقسمون إلى قسمين، قسم يعتبرون أنفسهم من أهل المدينة الأصلاء، وهم “المواصلة” و “القحيُّون” شعب الله المختار، وقسم يعتبرون دخلاء على المدينة، بالنسبة للقسم الأول، وهم أهل القرى والأرياف والمدن الأخرى الذين سكنوا الموصل قبل سنوات وما زالوا يأتون ليسكنوها. ومن أهم صفات القسم الأول أنهم “جديون، جادون في العمل، يحسبون حساب كل شيء، حريصون متقنون في العمل”. ويقدم العمري تفسيرًا مقنعًا لهذه الصفات، يعود إلى تاريخ سيطرة العثمانيين على الموصل:”إن العثمانيين في القرون الخمسة التي قضوها في الموصل، عسكروا المجتمع الموصلي. طبقوا في الموصل قانون الإقطاع العسكري، أي كانوا يوزعون الأراضي الزراعية على من يتطوع للخدمة في الجيش العثماني. ليس الحديث عن تجنيد إجباري وسفربر/التجنيد الإلزامي، بل عن تطوع في الجيش ومراتب وقيادات. لم يطبق القانون في كل مكان، لا في العراق ولا في سواه، لأن طبيعة الأراضي الزراعية في الموصل وقربها من المدينة واعتمادها على المطر سهلت الأمر. وهكذا تعسكر المجتمع بالتدريج. خمسة قرون من ذلك لا بد أن تؤثر على المجتمع؛ تجعل الانضباط والجدية، وحتى ثقل الدم في رأي البعض أمرًا طبيعيًّا”.
ولأن سقوط مدينة الموصل بيد داعش في حزيران 2014، يحمل تفسيرات من كل الاتجاهات، لا تقدم الرواية، من خلال شخصياتها، سببًا واحدًا للسقوط وانسحاب الجيش العراقي منها. والواقع يقول بأن داعش قبل سنوات من سيطرته على الموصل، كان مسلحوه “يصولون ويجولون ويجبون الإتاوات من الجميع. بتواطؤ أو بعجز من الدولة، أو بالاثنين معًا”. هناك من يتهم أمريكا بأنها هي من أنشأت داعش ليعمل كمغناطيس، كما فعلت في أفغانستان، يجذب كل من يتبنى الأفكار المتشددة وثم تقضي عليهم. وهناك من يتهم إيران بصنعه لأهداف استراتيجية. وهناك من يقول بأن مدينة الموصل “محسودة” من الأساس، “ولتذهب كل نظريات السياسة وعلم الاجتماع ونظريات المؤامرة والاجندات الخارجية إلى الجحيم” الحسد هو السبب. ولا تهرب الرواية من حقيقة أن أهل الموصل فيهم الصالح والطالح، ولذلك قسم منهم أيدوا التنظيم لأسباب مختلفة، توافق بعضهم مع أفكار التنظيم، أو فرح بعضهم بالتخلص من القوات الأمنية بسبب معاملتها السيئة مع الأهالي، أو لأسباب طائفية، أو حتى أن هناك من يؤيد المنتصر والغالب دائمًا بغض النظر عن أصله وفكره. “وهؤلاء هم الأكثرية في كل زمان ومكان”.
من أهم شخصيات الرواية والمحركة لأحداثها، “الحاجة عادلة” ابنة يونس باشا الذي قتل في أحداث حركة عبدالوهاب الشواف في الموصل سنة 1959، على أيدي المليشياويين (قوات المقاومة الشعبية) الذين دخلوا إلى المدينة وسببوا فوضى كبيرة فيها وارتكبوا جرائم خطيرة. وهي تصبح عمة نائل، والد المهندس صهيب آل يونس بطل الرواية، الذي -نائل- تزوج بفتاة مسيحية “فائزة النقاش أم صهيب”، رغمًا عن تقاليد آل يونس في عدم الزواج من عائلات أخرى، وبالذات العائلات غير الأصلية في الموصل. مما تسبب في إضفاء سمعة سيئة على “آل يونس” وأدى إلى الحرمان من بعض الميراث الذي يستحق، وكذلك تسببه في أزمات ومشاكل مالية متعلقة بالورث في العائلة. وكل هذا قاده إلى ترك العراق والسفر إلى أمريكا. وهناك ولد صهيب وأكمل تعليمه وأنشأ مشاريعه الهندسية الخاصة، إلى حين موعد فوزه بمسابقة مشروع إعادة تصميم جامع النبي يونس أو المدينة. وتحمل الحاجة عادلة أسرارًا عائلية تكشفها مع الوقت لأفراد العائلة ومنهم صهيب نائل آل يونس الذي استقبلته الحاجة كابن للعائلة رغم كل ما تسببه والده من عُقد ومشاكل للعائلة.

أسرار الحاجة عادلة:

السر الأول الذي يكتشفه صهيب والذي خلق أسطورة وهيبة “الحاجة عادلة” في الموصل، هو أنها عندما هاجم الغوغائيون بيت العائلة الكبير في أحداث الشواف 1959، وقتلوا والدها وشقيقتها، انتقمت منهم مباشرة. قتلت القتلة، بالبندقية والفأس. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت المسيطرة الأولى في العائلة.
وأما السر الثاني، فهو مرتبط بناثر، عم صهيب، وهو طبيب غير ناجح ويحمل أفكارًا دينية متشددة. وعندما سيطر الدواعش على الموصل، انضم إليهم، وأصبح يدافع عن أفكارهم ودولتهم المزعومة. ووصل به الحال أنه أصبح يكفر كل من لا يؤيد الدواعش، حتى آل يونس. وثم فجأة اختفى ناثر من الوجود، وأصبح آل يونس يفكرون بأن التنظيم قد أعدمه، ولم يظهر له أي أثر حتى بعد قدوم صهيب آل يونس إلى الموصل، بعد سنوات من التحرير، وتقربه من العائلة. ولكن ليس هذا كل شيء.
طلبت الحاجة عادلة من يحي زكريا آل يونس أن يطلب من صهيب آل يونس أن يؤجل سفره إلى أمريكا قليلًا. والهدف هو إخراج “الدفين” من البيت الكبير للعائلة. والبيت الكبير هذا هو أهم بيوت آل يونس، ولكن التنظيم سيطر عليه بعد 2014 حين اختفى الدكتور ناثر بحجة أنه هرب من المدينة، وبعد التحرير 2017، جهات عدة ادعت ملكيتها للبيت وبحجج مختلفة.
ولأن صهيب آل يونس مهندس إعماري مشهور، وهو أمريكي الجنسية، وأصبحت له علاقات مع أصحاب السلطة والنفوذ في الموصل بعد فوزه بمسابقة تصميم إعادة إعمار المدينة، تريد الحاجة عادلة أن يستغل صهيب علاقاته وشهرته ليدخل إلى البيت الكبير، لساعات قليلة فقط، ليخرجوا منه “الدفين”.

ما هو دفين البيت الكبير؟

تكشف الحاجة عادلة بأن الدفين هو عبارة عن صندوق فيه ليرات عثمانية ذهبية كثيرة، وتقدر قيمتها اليوم بعشرة ملايين دولار. يعود دفن الصندوق إلى عام 1917، أثناء الحرب العالمية الأولى. وبعد حركة الشواف 1959، ادعت الحاجة أنها ووالدها غيرا مكان الصندوق من السرداب إلى الحوش، خوفًا من سيطرة الرعاع على البيت بعد مهاجمتهم المدينة. وبعد انتشار شائعات تقول بأن هناك كنز مدفون في البيت الكبير، وربما هذا ما أدى إلى مقتل والدها أثناء حدوث الفوضى في 1959.
وبعد سلسلة من الإجراءات المتعبة التي سمحت لصهيب وآل يونس بحصول الموافقة للدخول إلى البيت الكبير حدثت المفاجأة الكبيرة غير المتوقعة. دخلوا البيت، وأمرت الحاجة عادلة بالحفر في مكان محدد، وما هي إلا لحظات قليلة واكتُشفت جثة مدفونة. وجن جنون صهيب. وبعد أن هدأتهم الحاجة، أمرت بحمل الجثة في السيارة وخرجوا من البيت الكبير.

ما هي قصة الجثة؟

الحاجة عادلة، ليست إنسانة قوية فحسب، ولكنها عادلة كاسمها، تؤمن بقيم إنسانية، ولا تقبل بالتجاوز عليها. قد تقبل بأشياء معينة تحتمها عليها الظروف، ولكن بعض الأشياء لا يمكن أن تتسامح معها. لا يمكن أن تترك سمعة العائلة تتشوه دون أن تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ومع دعشنة الدكتور ناثر، كان لا بد أن تتدخل لوقفه. ما فعله ليس فقط هو تأييد داعش والإساءة لعائلته، بل تَحيون بالمطلق. اشترى ثلاث فتيات أيزيديات، أكبرهن في عمر الثالثة والعشرين، وأصغرهن في عمر الرابعة عشرة. اعتبرهن سبايا وتفاخر بذلك علنًا. هذا شيء لا يمكن أن يقبل به آل يونس. وضعت الحاجة خطة محكمة، وجرته إلى البيت الكبير، وبمساعدة من الفتيات الأيزيديات تخلصت منه ودفنته في حوش البيت الكبير. وكل الخطة التي وضعتها بعد رجوع صهيب إلى الموصل، وطلبها منه البقاء وحديثها عن الكنز المدفون كان هدفه إخراج جثة ناثر من البيت الكبير ودفنها في مقبرة العائلة، في زاوية بعيدة منها. أخرجت الجثة من البيت لأنها خشيت أن تُكتشف ويؤثر ذلك على مكانة العائلة ومصير البيت الكبير، رغم أنها كانت تستطيع أن تتحجج بأن داعش هو من دفن الجثة في البيت أثناء سيطرته عليه وتحويله إلى مقر للحسبة.

صهيب والحوت الذي دفن نفسه فيه:

يتأمل صهيت آل يونس ما مر به أثناء تواجده في الموصل، ويكتشف أن علاقته السيئة بوالديه قد حرمته من حنان ودفء العائلة الأكبر من جهة، ومن جهة ثانية ورغم أنه أكمل تعليمه الجامعي في أرقى الجامعات الأمريكية إلا أنه أصبح نسخة مصغرة مما يريده منه أبوه نائل آل يونس، الذي طمع بأن يذيع صيت ابنه مثل المعمارية العراقية “زها حديد” مثلًا، وهذا ما شكل عقدة بالنسبة له لم يستطع أن يتجاوزها، لأنه ورغم نجاحه النسبي، لم يصبح مثل زها حديد، أو حتى قريبًا منها. وهنا يختار أن يمشي في طريقه الخاصة بنفسه، ليخرج من بطن الحوت الذي ولد وعاش فيها، رسامًا كما أحب أن يكون. ويكتشف في الموصل أنه أصبح يحب سفانة، ابنة عمته عالية، المحامية الشاطرة التي كانت متزوجة من قبل وزوجها قُتل على يد داعش. وثم أيضًا تصميمه الذي قدمه للمحافظة لإعادة إعمار جامع النبي يونس واحتُفل به لأجله، رُفض لأسباب لم يبحث فيها ولكنها متعلقة بالشركات التي ترعى الإعمار وبالفساد وحيتانه في المدينة. ولكنه وإن رُفض تصميمه، فقد خرج من بطن حوته. ويكتشف صهيب آل يونس حبه للمدينة، كأنه جزء منها وهي جزء منه، ولا معنى للفراق بينهما. وهنا يعيدنا الدكتور العمري سريعًا إلى قصة صهيب بن سنان من بني النمر من عرب نينوى، المعروف بصهيب الرومي، الصحابي المعروف.. والذي اختطفه الروم واستعبدوه، ولكنه بقي يتذكر قريته ومدينته، حتى اشتراه تاجر عربي من بني كلب. وبعد ذلك أعتقه سيد من سادات مكة وهو “عبدالله بن جدعان” من بني تيم، وأصبح حليفًا مواليًا لقبيلته. وفي كل ما مر به صهيب الرومي، كان يتذكر نينوى. ولا ينساها.
الرواية لا تقتصر فقط على الأحداث المرتبطة بعائلة آل يونس في الموصل، بل تأخذنا أيضًا بشكل غريب في الظاهر، ولكنه عميق للمدينة ولشخوص الرواية، إلى أعماق التاريخ. وبشكل مقتضب إلى سيرة النبي “يونس بن متى” عليه السلام حين تردد في الذهاب إلى نينوى واختار أن يمشي بعكس اتجاهها. فقاده ذلك إلى البحر وثم بطن الحوت، وفي بطنه، وفي ظلمته، تأكد أن لا مهرب من الذهاب إلى نينوى، لا مهرب من الخروج من بطن الحوت. ولا مهرب من مصيره. وكما أن يونس عليه السلام خرج من بطن الحوت بعد مراجعات ذاتية، ودعوته لأهل نينوى للإيمان بالله عز وجل واستجابتهم لدعوته، الموصل كذلك في واقعه المعاصر، أصبحت في بطن الحوت، بطن تنظيم داعش الإرهابي وبطون غيره، ولكنها أيضًا خرجت من بطنه. عانت بشدة، ولكنها قاومت حتى انتصرت. وقد تكون في بطن أي حوت، ولكنها تملك إرادة الخروج منها. تاريخ الموصل أكبر وأعمق من أن تقبل بأبدية الاستسلام في أي بطن تعجزها عن الحركة.
قدم الدكتور العمري رواية تُقرأ دائمًا، ليس من قِبل أهل الموصل فقط، بل مِن كل مَن يريد أن يفهم تلك المدينة. وكل مَن يريد أن يفهم ماذا حدث فيها في سنوات حكم الدواعش 2014-2017. مِن كل مَن يريد أن يخرج من بطن حوته. حوته الذي وضِع فيه أو وضَع نفسه فيه.
وأرجو أني لم أحرق أحداث الرواية، ولا أظن أني فعلت، لأنها ببساطة أعمق وأهم من أن تُختصر في مراجعة.

قد يعجبك ايضا