رؤية سياسية لضمان الشراكة الدستورية وحماية حقوق المكونات في الدولة العراقية

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

في ظلّ تراكم التجارب السياسية خلال الدورات الحكومية المتعاقبة، ومع تكرار الوعود التي قدّمها المرشحون لرئاسة الوزراء في السلطة الاتحادية—وعود كُتبت بعضها وصرّحوا بأخرى شفوياً—إلّا أنّ الكثير منها لم يُنفّذ بعد تولّي المنصب، بل جرت ممارسات إقصائية ألحقت ضرراً مباشراً بالشراكة الوطنية وبمبدأ التوازن بين المكونات العراقية، وفي مقدمتها المكون الكوردي والمكون السني.
وانطلاقاً من هذا الواقع، نتقدم لرئاسة الوزراء بهذه الرؤية السياسية – القانونية بوصفها خارطة طريق لضمان شراكة حقيقية تستند إلى الدستور، وتحفظ وحدة العراق عبر العدالة والتوازن، لتكون أمام أنظار فخامتكم… ولكم القرار.

أولاً: احترام مبدأ الشراكة والتوازن الدستوري

ينصّ الدستور العراقي بوضوح على أن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان تقوم على الشراكة، التوازن، والفصل بين السلطات.
وعند بروز أي خلاف في تفسير النصوص الدستورية، فإن السبيل هو الحوار والتسوية القانونية والسياسية، إضافة إلى اللجوء للمحكمة الاتحادية.
لكن ذلك يفترض تشريع قانون المحكمة الاتحادية الجديد بطريقة تضمن استقلاليتها ونزاهتها، بعيداً عن التجارب السابقة التي شهدت تسييساً واضحاً للقضاء.

ثانياً: تفعيل المادة 140 بآلية دستورية وبمساندة أممية

يمرّ أكثر من عقدين دون تقدم حقيقي في ملف المناطق المتنازع عليها.
ولهذا فإن تطبيق المادة 140 يتطلّب اتفاقاً سياسياً واضحاً، وإشراك الخبرة القانونية للأمم المتحدة كما يُجيز الدستور، بوصفها جهة محايدة يمكنها المساعدة في وضع حلول عادلة ترضي جميع الأطراف.

ثالثاً: ضمانات داخلية وخارجية لأي اتفاق سياسي

لقد أثبتت التجارب الماضية أن الاتفاقات المكتوبة وحدها لم تكن كافية لضمان تنفيذ التعهدات.
وعليه، فإن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن ضامنين من الداخل والخارج، لضمان احترام الالتزامات وتنفيذها ضمن سقف زمني محدد.

رابعاً: تشريع قانون النفط والغاز بإشراف أممي

يتطلب الدستور اتفاقاً واضحاً بين بغداد وأربيل حول إدارة الثروة النفطية.
ونظراً للقرارات الأحادية التي شهدتها المرحلة السابقة، فإن تشريع قانون للنفط والغاز بإشراف أممي وبصيغة دستورية واضحة أصبح ضرورة ملحّة لضمان الشفافية ومنع الانفراد بالقرارات.

خامساً: إصلاح السلطة القضائية عبر توازن مهني وعادل

إن تعزيز استقلال القضاء يتطلب إعادة تنظيم السلطة القضائية الاتحادية بحيث تضم شخصيات تمتلك النزاهة والكفاءة والخبرة، مع ضمان توازن عادل في تشكيل المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى، بما يمنع التسييس ويعيد الثقة للمواطنين.

سادساً: تحقيق توازن فعّال داخل المؤسسات الوطنية

يجب اعتماد آلية تضمن التوازن بين جميع المكونات في المؤسسات السيادية والاتحادية، وفي مقدمتها:
•الجيش الاتحادي ووزارة الدفاع وهيئة الأركان
•الأجهزة الأمنية والاستخبارية
•وزارات النفط، الخارجية، الموارد المائية، والتعليم العالي
وذلك على أساس شراكة متوازنة، لا تهميش فيها ولا غلبة لطرف على آخر.

سابعاً: تشريع المجلس الاتحادي الأعلى بتمثيل متساوٍ للمكونات

إن غياب المجلس الاتحادي—رغم كونه منصوصاً عليه في الدستور—ترك فراغاً رقابياً وأتاح هيمنة غير متوازنة في بعض القرارات.
وعليه، نرى ضرورة تأسيس هذا المجلس بصيغة مشاركة متساوية للمكونات وليس وفق النسب السكانية، وبرئاسة شخصية تُنتخب داخل مجلس النواب بصلاحيات رقابية فعالة، تتضمن حق الطعن أمام القضاء في أي قرار مخالف للدستور.

كما نرى أهمية وجود:
•ممثلين عن القوى السياسية لكل المكونات
•مشاركة فاعلة للمحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى
•ضامنين خارجيين، منهم الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لضمان تنفيذ أي اتفاق بشكل علني وشفاف أمام الشعب.

ضمان الحقوق… ونحو اتفاق يلتزم به الجميع

إن الإخلال بأي اتفاق يستوجب تدخل الجهات الضامنة، ويمنح إقليم كوردستان—وبقية الأقاليم المستقبلية—الحق في مقاضاة القرارات المخالفة للدستور والاتفاق، واتخاذ الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة لحماية حقوقه.
وفي حال تراجع أي طرف يشغل رئاسة مجلس الوزراء الاتحادي عن التزاماته، فإن حكومة الإقليم تمتلك كامل الحق الدستوري في اللجوء لجميع الوسائل القانونية والسياسية.

ختاماً: رؤية من أجل عراق متوازن ومستقر

إن هذه الرؤية لا تمثل مطلباً كردياً فقط، بل هي ضرورة وطنية لجميع المكونات التي عانت من التهميش وعدم التوازن.
نأمل أن تحظى هذه المقترحات باهتمام فخامتكم، بوصفها خارطة طريق لإعادة الثقة بين الشركاء السياسيين، وتعزيز مسار الدولة، وترسيخ العدالة بين جميع أبناء العراق .

قد يعجبك ايضا