عبد الرحمن حبش*
يحلّ يوم العلم الكوردي في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر كرمزٍ وطنيّ جامع يُجسّد هوية الشعب الكوردي ونضاله التاريخي من أجل الحرية والكرامة والاعتراف السياسي. غير أنّ هذا اليوم الذي يفترض أن يكون مناسبة فرح ووحدة يتحوّل في كوردستان سوريا إلى مرآةٍ قاسية تعكس عمق الانقسام الجغرافي والسياسي وتفاوت واقع الحريات بين منطقةٍ وأخرى.
في مناطق الجزيرة وكوباني الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية يُرفع العلم الكوردي في الساحات والشوارع والمؤسسات وتُقام الفعاليات الجماهيرية والأنشطة الثقافية بكل وضوح وعلنية. هناك يمارس الكورد حقهم الطبيعي في التعبير عن هويتهم القومية دون خوف في مشهد يعكس هامشاً من الحرية السياسية والاجتماعية رغم كل الملاحظات والانتقادات الموجّهة لأداء الإدارة الذاتية وممارساتها.
في المقابل، وعلى بعد مئات الكيلومترات يبدو المشهد مختلفاً تماماً في عفرين وسري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) وغيرها من المناطق الكوردية الواقعة تحت سيطرة فصائل مدعومة من تركيا. هناك لا يُرفع العلم الكوردي في الساحات ولا تُنظَّم احتفالات علنية. بل يُضطر الكورد إن أرادوا إحياء يوم علمهم إلى فعل ذلك في الخفاء داخل المنازل أو في الأحراش والكهوف بعيداً عن أعين الفصائل المسلحة خوفاً من الاعتقال أو القمع أو الاتهام بالانتماء السياسي.
هذا التناقض الصارخ لا يعكس فقط اختلاف سلطات الأمر الواقع بل يكشف حجم المأساة الكوردية في سوريا شعبٌ واحد، علمٌ واحد لكن حقوقه تتجزأ بتجزؤ الجغرافيا وتُقاس حريته بميزان القوى العسكرية لا بمبدأ المواطنة أو الشرعية الوطنية.
إن منع رفع العلم الكوردي أو التضييق على الاحتفال به في عفرين وغيرها ليس مجرد انتهاك لحرية التعبير بل هو استهداف مباشر للهوية الكوردية ومحاولة لطمس الوجود القومي والثقافي للكورد في هذه المناطق. وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان ومع كل الشعارات التي ترفعها القوى المسيطرة هناك عن “التحرير” و“العدالة”.
في يوم العلم الكوردي لا بد من توجيه رسالة واضحة: القضية الكوردية في سوريا لا تُختزل في منطقة واحدة أو إدارة واحدة ولا يجوز أن تبقى رهينة صراعات النفوذ الإقليمي والدولي. المطلوب اليوم هو موقف كوردي موحّد يدافع عن حق الشعب الكوردي في الاحتفال بعلمه وهويته في كل شبر من كوردستان سوريا، دون خوف أو استثناء.
فالعلم الكوردي ليس راية حزب أو سلطة، بل هو رمز شعبٍ قدّم آلاف الشهداء من أجل أن يرفعه بحرية فوق أرضه. ويوم يُرفع هذا العلم في عفرين علناً كما في قامشلو وكوباني يمكن عندها الحديث عن خطوة حقيقية نحو العدالة والحرية والمصالحة الوطنية في سوريا.
* سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي