متي عقراوي… رائد التربية الحديثة وأول بنّاء لجامعة بغداد

محمد علي محيي الدين

يطل اسم الدكتور متي يوسف حنّا عقراوي في سجل النهضة التعليمية العراقية بوصفه واحدًا من أبرز رجالاتها، ذلك الذي وهب حياته كلها للمعرفة، فغدا مربيًا ومؤرخًا ومؤسسًا لأول جامعة عراقية حديثة. وُلِدَ في الموصل سنة 1901، وفي أروقة مدارسها الأولى تشكّل وعيه المبكر، وتعلّم الفرنسية في مدرسة كنسية أثارت فيه شغف القراءة والمطالعة، فكان يلتهم الكتب التهامًا، وكأنما كان يستعد لرحلة طويلة في طريق العلم.

Screenshot

وحين اشتد عوده، غادر الموصل إلى بيروت والتحق بإعدادية الجامعة الأميركية عام 1920، فبرز بين أقرانه حتى أسندوا إليه إلقاء خطاب الوداع في حفل التخرج، وهي إشارة مبكرة إلى تميّزه الفكري وحضوره الإنساني. ثم واصل دراسته في كلية الآداب والعلوم في الجامعة نفسها، وتخرج عام 1925 حاملًا بكالوريوس التربية، قبل أن يشد الرحال إلى الولايات المتحدة ويلتحق بكلية المعلمين سنة 1925–1926، ليتخصص في علوم التربية الحديثة. وفي عام 1934 حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كولومبيا، تلك المؤسسة العريقة التي خرّجت كبار المفكرين والمربين.
عاد إلى العراق مسلحًا بالعلم والرؤية، فعُيّن مدرسًا للتربية في دار المعلمين الابتدائية، ثم سرعان ما تدرج في المواقع التربوية؛ فأصبح مديرًا لدار المعلمين الابتدائية عام 1929، ثم مديرًا للتعليم الابتدائي ومديرًا لمعارف كركوك سنة 1930، وانتقل بعد عامين إلى الحلة ليتولى إدارة معارفها. ومع اتساع دوره في المشهد التعليمي، تولى عمادة دار المعلمين العالية عام 1939، ثم عمادة كلية التربية عام 1940، قبل أن يصبح المدير العام للتعليم العالي في وزارة المعارف سنة 1945.
ولم يكن نشاطه محصورًا داخل البلاد، فقد عمل في منظمة اليونسكو تسع سنوات حتى عام 1957، وشارك في لجان بحثية، منها لجنة أُوفدت إلى السودان لبحث إمكانيات إعادة بناء المدارس هناك. وبعد سنوات من العمل الدولي والبحثي، عاد إلى العراق ليحقق حلمًا طالما سعى إليه: تأسيس جامعة بغداد سنة 1957، فكان أول رئيس لها حتى سنة 1958، قبل أن تعصف الأحداث السياسية بعد ثورة 14 تموز وتؤدي إلى إعفائه من منصبه. ومع ذلك، لم ينكفئ، بل عاد إلى اليونسكو ممثلًا لها في الأمم المتحدة بين 1959 و1961، ثم اتجه إلى الجامعة الأميركية في بيروت ليعمل فيها سنوات طويلة من 1963 إلى 1971، وبعدها اختار التقاعد والتفرغ للبحث العلمي.
وهو، إلى جانب مسيرته الوظيفية، عاش حياة ثقافية نابضة؛ فقد تولى أمانة جمعية الثقافة العربية سنة 1931، وكان عضوًا في نادي القلم العراقي منذ تأسيسه عام 1934، كما اختير عضوًا عاملاً في المجمع العلمي العراقي عام 1946. وقد نال تقديرًا واسعًا في بلاده وخارجها، فحُمل وسام الرافدين سنة 1953، ووسام الخدمة الممتازة من كلية المعلمين في الولايات المتحدة سنة 1960، ووسام الاستحقاق بدرجة فارس من الحكومة اللبنانية سنة 1970.
أما إسهاماته العلمية، فهي غنية ومتنوعة، منها كتاب التربية في الشرق الأوسط بالإنكليزية بالاشتراك مع الدكتور أمير بقطر سنة 1950، وكتاب مشروع التعليم الإجباري في العراق 1937، والعراق الحديث الذي ألفه بالإنكليزية وترجمه إلى العربية بالتعاون مع الدكتور مجيد خدوري سنة 1936، وكتابه المبكر مذكرات في التاريخ العربي القديم 1927، ومبادئ القراءة العربية بأسلوب الجملة والقصة 1935. كما ترجم، بالاشتراك مع الأستاذ زكريا ميخائيل، كتاب جون ديوي الديمقراطية والتربية الذي صدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة عام 1954. وله، فوق ذلك، بحوث عديدة منشورة، إضافة إلى كتب باللغة الفرنسية والإنكليزية والألمانية.
كتب عنه الدكتور عمر الطالب في موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين، ووقف عند أثره العميق في التربية العراقية. كما وصفه الدكتور ماهر موسى العبيدي بأنه “ابن ولاءات متعددة” التقت في شخصيته من دون تناقض، فكان ابن العراق المخلص له، المؤمن بقدرته على النمو والنهوض، والمتشبث بروح العلم والمعرفة. وقد عدّه واحدًا من المربين الذين جمعوا بين الصدق والأمانة والإيمان والذكاء الخارق والموضوعية، وآمنوا بالديمقراطية والحوار الهادئ، وتزينوا بثقافة واسعة وشاملة.
وفي عام 1982 أسدل الستار على حياة متي عقراوي، لكن أثره ظل ممتدًا في كل مدرسة بناها، وكل طالب مرّ في واحد من المؤسسات التي أشرف عليها، وكل فكرة تربوية حملت بصمته. فهو لم يكن مجرد مؤسس لجامعة أو إداري ناجح، بل كان عقلًا تربويًا كبيرًا، حمل رسالة العلم بإخلاص، وبقي حاضرًا في ذاكرة العراق بوصفه واحدًا من أعمدة نهضته الحديثة.

قد يعجبك ايضا