ما لم تقله الهويات عن نفسها

بقلم: نوري جاسم

كثيرًا ما نسمع الحديث عن الهوية، وكأنها شيء مكتمل، جاهز، لا يقبل المراجعة. تُرفع كشعار، أو تُستعمل كسلاح، أو تُختزل في انتماء واحد، بينما الحقيقة أبعد من ذلك وأكثر تعقيدًا.

والهوية في جوهرها، ليست ما نعلنه عن أنفسنا، بل ما نمارسه دون أن نشعر. هي طريقة تعاملنا مع المختلف، قدرتنا على قبول التعدد، واستعدادنا لرؤية الآخر لا كتهديد، بل كمرآة. وفي مجتمعاتنا، تحولت الهويات أحيانًا من جسور تعارف إلى خنادق دفاع، ومن روافد غنى إلى أسباب قطيعة. ليس لأن التعدد خطر، بل لأن إدارة التعدد فشلت. وما قيل بحق عن الهوية هو أنها مسؤولية قبل أن تكون حقًا. مسؤولية في ألا تتحول إلى ذريعة للإقصاء، ولا إلى مبرر للكسل الفكري، ولا إلى ستار نُخفي خلفه عجزنا عن بناء دولة عادلة.

الهوية الحيّة لا تخاف السؤال والهوية الواثقة لا تحتاج إلى صراخ، والهوية الناضجة تعرف أن الانتماءات تتكامل ولا تتصارع. وإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نُعلّم الأجيال الدفاع عن هوياتهم، دون أن نعلّمهم التفكير فيها. حينها، نصنع أتباعًا لا مواطنين، وحماسة بلا وعي، وولاءً بلا أفق.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الهوية بوصفها مشروعًا أخلاقيًا وثقافيًا وروحيا مفتوحًا، لا صندوقًا مغلقًا. مشروعًا يسمح للجميع أن يكونوا أنفسهم، دون أن يخاف بعضهم من بعض. فالهوية التي لا تتسع للوطن، تضيق بأبنائها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

قد يعجبك ايضا