متابعة التآخي
للطينِ علاقةٌ وثيقةٌ بعلمِ النفسِ سواء من الناحيةِالعلاجيَّةِ، أو الرمزيَّةِ، أو التنمويَّة، إذ يُستَخدمُ الطينُفي مجالِ العلاجِ النفسي ضمن أساليبِ العلاجِبالفنِّ فيما يُعرَفُ بـ «العلاجِ بالطين» حيث يُطلَبُ منالفردِ تشكيلُ الطينِ بحريَّةٍ للتعبيرِ عن مشاعرهالداخليَّةِ التي قد يصعبُ التعبيرُ عنها بالكلمات.
ويُسهم هذا النوعُ من العلاجِ في تحقيقِ التفريغِالانفعالي، ويُخفِّف من التوتُّرِ والقلق، كما يُعزِّزالإحساسَ بالسيطرةِ والقدرةِ على التغيير، إذ يختبرُالشخصُ شعوراً إيجابياً عندما يصنعُ شيئاً بيديه،ثم إن ملمسَ الطينِ الطبيعي والبارد، يساعدُ فيتهدئةِ الجهازِ العصبي، وزيادةِ التركيزِ والهدوء. أمَّامن الناحيةِ الرمزيَّة، فيحملُ الطينُ دلالاتٍ عميقةً فيعلمِ النفسِ التحليلي، فهو يرمزُ إلى الأصلِ والتكوين،فالبشرُ مخلوقون من طينٍ، ما يجعلُ التعاملَ معهاستحضاراً لفكرةِ الجذورِ والعودةِ إلى الطبيعة. كذلكيُمثِّل الطينُ رمزاً للتحوُّلِ والنموِّ لقدرته على التشكُّلِوالتغييرِ المستمرِّ، فيُشبَّه بالنفسِ الإنسانيَّةِ القابلةِللتطوُّرِ والتبدُّل.
وفي المجالِ التنموي والتربوي، يُستَخدمُ الطينُبوصفه وسيلةً لتعزيزِ الإبداعِ والخيال، وتنميةِالمهاراتِ الحركيَّةِ الدقيقة، إلى جانبِ ترسيخِ قيمِالصبرِ والمثابرةِ أثناء عمليَّةِ التشكيل. وعليه، فإنالعملَ بالطين، لا يقتصرُ على الجانبِ الفنِّي فحسب،بل ويمتدُّ أيضاً ليكون وسيلةً علاجيَّةً ونفسيَّةً، تعيدُالتوازنَ الداخلي، وتربطُ الإنسانَ بذاته وبالطبيعةِ منحوله.
لكنْ، كيف يكون التأثيرُ النفسي لتشكيلِ الطينِوالعملِ به يدوياً في تقليلِ التوتُّرِ والقلق؟
في هذا الجانبِ، تُوضح نور زغبي فارس: «تُشجِّعالتجربةُ الحسيَّةُ للطين، بملمسه ودرجةِ حرارتهواستجابته، على الحضورِ الذهني. عندما يغمرُالمشاركون أيديهم في الطين، ينتقلُ انتباههم بشكلٍطبيعي من القلقِ المُجرَّد إلى التجربةِ المُجسَّدة،ويُنشِّط هذا التركيزُ اللمسي حالاتٍ من الهدوءِوالتأمُّل، تُخفِّض مستوياتِ التوتُّرِ والقلق. فياستديوهاتنا، غالباً ما نرى المشاركين يدخلون مايُطلِقُ عليه علماءُ النفس حالةَ التدفُّق، إذ يمتزجُ الفكرُوالفعلُ والمادة، ما يؤدي إلى شعورٍ بالهدوءِ والوضوحِنادراً ما نجده في الحياةِ اليوميَّة».
وتضيفُ: «مع أن الاستديو ليس مساحةً سريريَّةً،لكنَّه يشتركُ في عديدٍ من مبادئ العلاجِ بالفنِّ،فكلاهما يعتمدُ على العمليَّةِ بدلاً من المُنتَج، وعلىالصنعِ بوصفه وسيلةً للتعبيرِ، والتأمُّلِ، واكتشافِالذات. يكمنُ الاختلافُ في النيَّة: يستخدمُ العلاجُبالفنِّ العمليَّاتِ الفنيَّةَ في إطارٍ علاجي، بينما يُعزِّزنموذجنا التعليمي التعلُّمَ والتجريبَ بوصفهما أدواتٍللنموِّ والتواصل، ومع ذلك، تُقدِّر كلتا البيئتَين الأمانَالعاطفي، والتعبيرَ عن الذات، والتحوُّلَ من خلالالتفاعلِ المادي».
وتستطردُ نور شارحةً كيف يمكن للفنِّ أن يكونوسيلةً للتعبيرِ عن المشاعرِ المكبوتة، أو الصدماتِالنفسيَّة، تقولُ: «الطين لغةٌ غير لفظيَّةٍ، إذ تُوفِّر عمليَّةُبناءِ الأشياءِ، وكسرها، وإعادةِ صنعها منفذاً رمزياًللتحرُّر. يُعبِّر عديدٌ من مشاركينا من خلال أعمالهمالفنيَّةِ عمَّا لا يمكن التعبيرُ عنه بالكلمات، وتتيحُ مرونةُالمادةِ التحوُّلَ، بالترافقِ مع راحةٍ نفسيَّةٍ خفيَّةٍ، لكنَّهاعميقةٌ. هكذا يصبحُ الفنُّ أرشيفاً للتجارب، ومساراًنحو الشفاء». وتتابعُ: «لقد رأينا بأنفسنا كيف تُعزِّزجلساتُ الخزفِ الجماعيَّةُ التعاطفَ، والتعاونَ،والشعورَ المشترك بالهدف. يدعو الطينُ أيضاً إلىالإبداعِ الجماعي، والتشكيلِ والإصلاح معاً، ما يبنيمرونةَ المجتمع.
وترى نور، أن «لمسَ الطين، يُوقظ ذاكرةً حسيةً، إذيربطنا طابعُ الطينِ الترابي بشيءٍ أساسي، يُذكِّرنابالأصلِ، والطبيعةِ، وقدرةِ الجسمِ على الإبداع. منالناحيةِ النفسيَّة، لهذا التفاعلِ اللمسي تأثيرٌاستقراري، فهو يُرسِّخ الصانعَ في اللحظةِ الراهنة،أمَّا من منظورٍ تأمُّلي، حيث تقودُ الأيدي العقل، فإنالإيماءاتِ المتكرِّرةَ مثل الضغطِ، والتنعيمِ، واللفِّ،تُهدِّئ الضجيجَ الذهني، وتدعو إلى السكون.
وتردفُ: «يساعدُ العملُ الخزفي المُركَّز في تحقيقِحالةٍ من الهدوءِ الذهني، أو اليقظة، لأن الطينَ يتطلَّبُالانتباه والصبر. جلساتُ الخزفِ الجماعيَّة، تُحوِّلالإبداعَ الانفرادي إلى تجربةٍ مشتركةٍ، فحولَالطاولةِ، أو العجلة، تنبثقُ المحادثاتُ بشكلٍ طبيعيأحياناً من خلال الكلماتِ، وأحياناً من خلالالإيماءاتِ، أو الضحك. بل إن المادةَ نفسها تصبحُوسيطاً، تذيبُ الحواجزَ بين الناس، بينما تعيدُ هذهالتجمُّعاتُ الإبداعيَّةُ بناءَ الثقةِ والانتماء، ويُسهم كلُّمشاركٍ في إيقاعٍ أوسعَ من الإبداعِ والمشاركة».
وحول دمجِ مبادئ العلاجِ الفنِّي في بيئةِ الـ«فابريكا» دون تحويلها إلى بيئةٍ سريريَّةٍ رسميَّةٍ،تجيبُ نور بأنهم «يدمجون المبادئ العلاجيَّةَ ببراعةٍمن خلال أصولِ التدريسِ وتصميمِ المساحات بدلاًمن الهيكلِ السريري. يبدأ هذا بتهيئةِ بيئةٍ آمنةٍ خاليةٍمن الأحكامِ المسبقة حيث يُشجَّع التجريب، ويُعادالنظرُ في الفشلِ بوصفه جزءاً من عمليَّةِ التعلُّم.