أحمد زبير باني
ليس كل لقبٍ يُرفع في الملاعب يُقاس بعدد النقاط، ولا كل تتويجٍ يُختصر في صورةٍ على منصة. فثمّة ألقابٌ تولد من المدرجات، وتكبر في القلوب، ثم تصل متأخرةً إلى المنصات العالمية. وحين أعلنت فيفا جمهور نادي زاخو الرياضي أفضل جمهور رياضي على مستوى العالم، لم يكن ذلك حدثًا عابرًا في روزنامة الجوائز، بل لحظة اعترافٍ بأن لكرة القدم وجهًا إنسانيًا، وأن للمدن الصغيرة أصواتًا تُسمِع العالم.
في زاخو، لا تبدأ المباراة مع صافرة الحكم، بل مع نبض المدينة. الشوارع تمتلئ قبل المدرجات، والقلوب تسبق الأقدام، ويغدو الطريق إلى الملعب طقسًا جماعيًا لا يعرف الملل. هنا، لا يأتي الجمهور ليشاهد، بل ليكون؛ ليصنع الإيقاع، ويمنح اللاعبين شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم أبدًا.
جمهور زاخو ليس صاخبًا فقط، بل واعٍ بجمال دوره. يهتف دون إساءة، يضغط دون فوضى، ويحتفل دون أن ينسى احترام الخصم. لذلك رأت فيه فيفا ما هو أبعد من مشهدٍ بصري جميل؛ رأت نموذجًا لجمهورٍ يفهم أن كرة القدم رسالة، وأن المدرج يمكن أن يكون مساحة أخلاق قبل أن يكون ساحة تنافس.
وحين نلتفت إلى صورة التتويج، لا نرى رجالًا يرفعون الكأس، بل نرى طفلًا يرفع قبضته الصغيرة، وطفلةً تحتضن دميتها. في هذه الصورة، تتجسد حكاية زاخو كاملة؛ فالجمهور هنا لا يُولد في لحظة فوز، بل يُربَّى. الانتماء يُزرع مبكرًا، ويُعلَّم قبل القوانين، ويُحمل مع الألعاب والرايات الأولى.
ذلك الطفل لا يعرف بعدُ تاريخ النادي، لكنه يعرف لون قلبه. وتلك الطفلة لا تحفظ أسماء اللاعبين، لكنها تحفظ معنى أن تنتمي دون خوف، وأن تحب دون شروط. من أجل هؤلاء، جاء الاعتراف العالمي.
ومن أجل جمهورٍ كان حاضرًا في الخسارة كالسند، وفي النصر كالعاشق المتواضع. جمهورٌ لم يساوم على هويته، ولم يترك فريقه وحيدًا في أي منعطف. سنواتٌ من الوفاء الهادئ صنعت لحظةً وقفت فيها الكرة العالمية لتقول: هنا، في زاخو، شيءٌ يُحتذى.
لقب أفضل جمهور في العالم ليس كأسًا تُعاد إلى الخزائن، بل مسؤولية تُحمل إلى المستقبل. وزاخو، بجمهورها، أثبتت أنها أهلٌ لها؛ لأنها جعلت من المدرج مدرسة، ومن الهتاف نشيدًا، ومن كرة القدم مساحة أمل.
زاخو لم تفز بجائزةٍ فقط. زاخو رُويت قصتها… ففهمها العالم. وحين صفق، لم يصفق للصوت الأعلى، بل للقلب الأصدق.