حسن العكيلي
بعد ان بلغ الستين من عمره احيل على التقاعد من وظيفته التي افنى فيها زهرة شبابه وبعد فصول من الالتزام والانضباط مطيعا للأوامر وكتب الشكر التي ملأت اضبارته الشخصية خير دليل على ذلك.
فرح فرحا شديدا عندما وضع هويته التقاعدية في جيبه وكذا مكافأة الخدمة. ولان الايام القادمة طريق طويل خال من المنغصات والضغوطات أطلق العنان لأحلامه ان تتبلور وتتقد ليعيش ما تبقى من عمره كطير امتلك الافاق الشاسعة والضفاف وافياء البساتين.
فزوجته التي ماتت قبل اعوام وابناءه الذين تزوجوا وغادروا البلاد أمور دعته ان يفكر الف مرة بإعادة ترتيب اوراق حياته التي نخرتها ارضة السنين وشوهت ملامح وجهها غبار الايام المتقلبة الرؤى والاحلام فالعيش وحيدا بين حيطان بيته الواسع تجعل من راسه ككرة تتلاقفها الاقدام المتعطشة للركل وترميها بلا رحمة حيث الحيطان الميتة المشاعر.
ذات ليلة جلس كريم وحيدا كعادته واخرج حقيبته التي ضاقت مساحتها بمبلغ المكافأة واضاف فوقها مازاد من راتبه ايام الوظيفة كان مبلغا محترما يسمح له ان يفكر بعد مشاريع في أن واحد ولكنه ترك كل المشاريع المقترحة جانبا واعطى الاولوية الى مشروع الزواج وقد انهى جلسته التي استمرت حتى الثالثة فجرا بضرورة الاسراع بتنفيذ مشروعه الحلم وعلى وجه السرعة.
ففي صبيحة اليوم التالي احضر علبة صبغ الشعر الاسود وجلس امام المرأة وماهي الا دقائق معدودات حتى تحول شعر راسه الابيض الثلجي وشاربه القطني الى اسود فاحم وبعد غسلهما بالماء هو رأسه متفاخرا وقال مع نفسه لقد عاد عمري الى الوراء عشر سنين الان صار بمقدوري البحث عن المرأة التي تناسبني كما فعلت في شبابي ثم نظر الى غرفة اخشاب زوجته التي رافقته طيلة ثلاث عقود من الزمن وراح يتفحصها ويحرك ابوابها فوجدها ليست كما كانت فاتصل بأح اصدقاءه الذين امتهنوا بيع وشراء الغرف الجديدة والمستعملة فباعها بثمن بخس وجمع ملابس زوجته والبومات صورها ومقتنياتها البسيطة وكدسها في صندوق خشبي من دون غطاء واضعا اياه تحت السلم. ولم يعلم ان ما قام به اساءة وتجاوز على علاقة انسانية كانت ايامها من اجمل الايام.
عند حلول المساء فرش وسط الغرفة التي خلت من كل شي واصبحت كأرض هجرها اهلها بسبب شح المياه وارتدائها ثوب القحط واللاشي تعوي الثعالب فوق اديمها وتصفر الريح بين أجواءها الكئيبة لتملأ افاقها بالغبار والعتمة. لكن اصراره على التغيير شجعه على استبدال اسمال الماضي انتيكاته التي افترس جل اجزائها الصدأ بكل ما هو جديد الاثاث الملابس الزوجة الجديدة فقرر ان يخرج صباحا ليبحث عن ضالته بعيدا عن الطرق التقليدية المتوارثة في خطبة النساء فستين عاما على قيد الحياة كافية لإعطائه الدروس والعبر في ما يخص عالم المرأة الذي لم يعد في نضره شيفرة صعبة الحل والكشف.
حالما خرج من بيته راح يبحث عن امرأة تجذبه لها كما يجذب الحديد المغناطيس امرأة اصغر منه بقليل لديها الرغبة بمشاركته حياته الجديدة، فبعد ان مشى الشارع حتى نهايته عرج يمينا حيث سوق المدينة فأعطى عينيه صلاحية النظر والاعجاب والاختيار ولكن من دون فائدة تذكر وبعد ان انهكه السير اللا مجدي جلس وحيدا على كرسي من كراسي موقف الباصات اخرج سيجارة من علبة سجائره التي لم تفارق جيبه وراح ينفث بدخانها صوب الجهات الأربعة.
وعندما اعاد التوازن الى روحه القلقة نهض من مكانه واستوقف سيارة تكسي وطلب من سائقها تأجيره لساعتين من الزمن والسير في شوارع المدينة بلا هدف او وجهة يقصدها شريطة ان يسير بأدنى وأبطأ سرعة ليتمكن من رؤية النساء الذاهبات والايبات الامر الذي اثار فضول السائق واستغرابه من طلبه فتشجع ساق المركبة وسال ضيفه الراكب: ((كل الركاب الذين يرومون الصعود في سيارتي يطلبون مني ان اوصلهم الى ما يريدون بأقصى سرعة ممكنة الا انت!)). فأخبره وبكل هدوء: ((لقد ماتت زوجتي منذ مدة وتركني اولادي وطابت لهم الحياة في بلاد الغربة باختصار انا وحيد الان ويعتصرني الالم وبعد احالتي على التقاعد قررت ان ابحث عن امرأة اعيش معها بقية حياتي وهذا اول يوم من رحلتي التي اتمنى ان تكون قصيرة وليست طويلة)).
عندما تلونت اشارة المرور باللون الاحمر توقف السائق منتظرا اللون الاخضر فقال لضيفه: ((انا أرمل مثلك ولكني اختلف عنك. ان اولادي يعيشون معي)) التفت كريم الى المارة من الرجال والنساء الذين عبروا من امامه مستغلين الاشارة الحمراء وراح يحدق في الوجوه ويستمتع بأصوات الناس ولهجاتهم واشكال ملابسهم وبينما كان السائق مشغولا بتنظيف مقود سيارته والمرآة الجانبية، تفاجئ الاثنان بصيحات رجت المكان امتزجت معها اصوات الهورنات واصوات تصادم عنيفة وتهشم الزجاج سببها سيارة تريلة فقد سائقها السيطرة عليها حاول الاثنان الهرب من السيارة ولكن السيارة الوحش المفترس حول جسديهما الى كومة من اللحم المثروم!
مات كريم وتم نقله الى المستشفى وبعد وضعه في ثلاجة الموتى لأسبوعين وبالصدفة تعرف احد اقاربه على جثته فابلغ اقاربه الاخرين بالخبر فقاموا بدفنه في مقبرة عائلته.
عندما سمع اولاده المتوزعين في دول شتى في بيت اخيهم الكبير بخبر وفاة ابيهم اجتمعوا سوية لتحديد موعد لزيارة قبر والدهم لكنهم اختلفوا ولم يتوصلوا الى نتيجة- ولكن عندما تذكروا ان لهم بيتا كبيرا في منطقة راقية اتفقوا جميعهم على شد الرحال الى العراق من اجل بيع ذلك البيت العش – ليأخذ كل واحد منهم حصته وبعد ان تم لهم ذلك تذكروا ان لهم قبرين لأبويهم فذهبوا وعلى مضض للمقبرة وسلموا عليهما كأي قبر غريب وعاد كل واحد منهم الى عشه الذي بناه خارج اسوار بلده كطائر مهاجر يعشق الغربة ناكر للجميل لقطيعه- طير لا يفقه لغة المودة ومن اول يوم ولد فيه.