د. نادية هناوي
الناقد شجاع العاني أحد أهم الأكاديميين الذين أولوا الرواية العراقية والعربية اهتماماً كبيراً، متتبعاً نشأتها من مطلع القرن العشرين، ماراً بالتطورات الفنية التي شهدتها في العقدين السادس والسابع من القرن نفسه، موظفاً مفاهيم النظرية السردية ومنهجياتها الفنية والبنائية والسوسيولوجية، التي اطلع على بعضها في مظانها الأصلية باللغة الإنجليزية، وبعضها الآخر كان لا يزال مستحدثاً آنذاك أو في طور النشوء. وجهود د. شجاع العاني القيّمة ضمَّها كتابه «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، الذي صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد.
ومنذ ظهور طبعته الأولى أواخر ثمانينات القرن الماضي، سدَّ هذا العمل ثغرة كبيرة كان النقد العراقي يعاني منها، من جهة البعد عن المنهجيات الحداثية والارتكاس في النقدين السوسيولوجي والانطباعي، مما جعل منه مرجعاً أكاديمياً مهماً في الرواية استند عليه كثير من الباحثين الذين ظهروا من بعده، ومنهم الدكاترة عبد الله إبراهيم ونجم عبد الله كاظم وصبري مسلم حمادي وصالح هويدي والرعيل الذي تبعهم من الدارسين والباحثين المتقدمين إلى الدرجات الأكاديمية.
وإذا كان د. شجاع العاني قد مارس النقد الأدبي في ستينات القرن الماضي؛ فإن منظوره النقدي ظل يتجدد، حسب متغيرات النقد ومستجداته، وهو ما أهلّه لأن يمتلك شخصية نقدية تمتاز بالعلمية والأكاديمية، متحلياً بالقوة والصرامة المنهجية التي أعطته مكانة خاصة بين النقاد عراقيين وعرباً.
ومن محصلات الكتاب موضع الرصد ما وجده د. شجاع العاني من أنّ نشأة الرواية العراقية كانت على يد محمود أحمد السيد عام 1928 في روايته «جلال خالد» التي درسها دراسة جمالية، وروايتين أخريين كانتا قد نشرتا بعدها، وهما «مجنونان» لعبد الحق فاضل، و«اليد والأرض والماء» لذو النون أيوب. أما الأعمال الروائية ما بعد عام 1966، فدرس معظمها وتتبع تطوراتها حتى عام 1980، عاداً كل القصص الطويلة القصيرة شكلاً روائياً خاصاً برواية القرن العشرين، متناولاً إياها تحت مصطلح رواية.
وبهذه الفرشة الإجرائية في تتبع الروايات العراقية، يصبح أمر التقسيم إلى أجزاء مغيباً لا البعد النظري في تلمس مفاهيم النظرية السردية التي يعد العاني أول من طبقها، وتفنن في إيجاد تمثيلاتها حسب؛ وإنما أيضاً غيب مجهود المؤلف في الاستقصاء للمصادر والرصد للأعمال الروائية وتشخيص الظواهر الجمالية فيها.
ويعدُّ الدكتور شجاع العاني الناقد الأكاديمي الأول في العراق، وقد تمثلت أكاديميته في خصيصتين علميتين لم يجاره فيهما أحد؛ الأولى الرسوخ والصرامة والالتزام، والثانية التجديد الاستراتيجي النظري والنقدي وما بعد النقدي الذي قولب تنظيراته وصهر تطبيقاته منذ بواكير كتاباته النقدية وإلى يومنا هذا. وهو الأنموذج النقدي الذي أخلص للنقد والأدب، متعاملاً معهما كمنهاج عمل، سواء فيما اعتمده من مناهج، أو فيما طوّعته له من مفاهيم محددة بانفتاح واتساع ومعاينة علمية وفكرية منطلقاً من تمثل صميمي لدور المثقف النهضوي التنويري الذي لا يهادن ولا يساوم. وهو ما جعله يضطلع بشخصية نقدية يعترف بتميزها المتميزون، ويشهد لها المثقفون الواعون الحقيقيون.
وتتجلى في الكتاب ريادة العاني في دراسة الرواية كملمح مهم أطَّر ممارساته النقدية بإطار مميز، ومنحها لونها التجديدي الخاص القائم على دراسة المنظور وتقانات الزمن والمكان وبناء الأحداث والشخصيات، راصداً الظواهر الروائية، ومستنبطاً المقاييس، وممحصاً المفاهيم، وموظفاً إياها إجرائياً من دون أي جدب أو عقم أو إغراق. علماً إن نقود د. شجاع العاني كانت منذ بواكيرها الأولى تتسم بطابع كتابي ذي خصوصية ذاتية وموضوعية يتمثل في إيلاء الأجناس السردية اهتماماً متتبعاً لها، وراصداً تحولاتها.
ولطالما ظل التجديد مرافقاً لنقوده، وهو يتخصص في دراسة الرواية العراقية بأكاديمية خالصة تبحث عن الظواهر القصصية. فلم تكن تبهره إلا الأعمال الروائية التي تلوح فيها إمارات التميز الفني والتطور النوعي، إدراكاً منه أنَّ هذا الجنس الأدبي يلزمه من يقف إزاءه ناقداً فاحصاً. وهو الذي عرّف الرواية بأنها: «كناية عن عمل فكري في المرتبة الأولى، وهي في المرتبة الثانية صياغة جمالية لهذا العمل الفكري ومعطيات الواقع هي التي تقترح نوعية هذا العمل وصياغته الجمالية». وبيّن أن رواية الكثافة الزمنية من الممكن أن تكون رواية مشهدية لا تتخللها ثغرات أو خلاصات. ومما شخَّصه في كتابه أيضاً ظاهرة «الرواية متعددة الوجوه»، وحددها بالرواية التي ينكب الروائي الذي نجح في عمل إبداع على أن يعالجه في رواية ثانية وثالثة.
ولقد وجد د. شجاع العاني أن مراحل الرؤية في الرواية العراقية بدأت برؤية الراوي كلي العلم، ثم الرؤية المجاورة أو المصاحبة، ثم الرؤية الموحدة التي يتوحد فيها الراوي مع الشخصية، وأخيراً اعتمدت الرؤى المتعددة الصوت مما يسمى بالسرد المتعدد أو السرد المكرر الذي يقوم على التذبذب بين الماضي والحاضر بصورة تشبه حركة اللولب وسماه «السرد اللولبي»، وهو غير «السرد السمفوني»، الذي تتكرر فيه الأحداث وتعدد الرؤى.
ولقد أوصله رصده للرواية العراقية إلى أن فيها ثلاثة تيارات: تيار السرد التقليدي، وتيار الشعر والرمز والأسطورة، وتيار الوصف الخارجي المباشر. ومن دعواته النقدية دعوته الروائيين إلى استلهام الموروث الشعبي بوصفه أداة بها يملكون القدرة على تصوير النماذج الإنسانية.
وقسَّم الرواية في نشوئها وتطورها إلى أنواع، فمن الرواية الإيقاظية إلى الرواية الرومانسية، ثم الرواية الواقعية. وأن الرواية الكلاسيكية انحسرت لتحل محلها الرواية القصيرة أو رواية المشهد الشامل ذات الوصف الملحمي للحياة. وعرّج على شكل روائي جديد سماه «الرواية المتأملة لذاتها» ـ التي تعرف اليوم بـ«الميتاسردية» أو «ميتارواية» ـ مبيناً أن أول محاولة في كتابتها كانت لمحيي الدين زنكنة الذي وصفه بأكثر كتّاب الرواية العراقية شكلية، وذلك في روايته «ويبقى الحب علامة»، وفيها تتمرد شخصيات الكاتب عليه وتناقشه في مصائرها.
والدكتور العاني من المتنبئين بموت الرواية بما وراء السرد والسبب ـ برأيه ـ التعقيد الناتج عن الغواية المتأتية من نرجسية الكاتب الذي يبالغ في الصنعة، متجاوزاً مسؤوليته الفكرية، لتصبح الرواية شبيهة بنرسيس الذي أعجبته صورته في ماء الغدير فمكث ينظرها حتى مات.
مؤدى القول إنّ جمع أجزاء كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق» في كتاب واحد تجعل منه المرجع الأول في دراسة الرواية العراقية، وفيه بذل د. شجاع العاني جهداً كبيراً هو حصيلة خبرته الأكاديمية وقراءاته الأدبية والنقدية خلال عدة عقود من المثابرة العلمية والعملية، ليكون إنجازاً مائزاً ماثلاً للعيان في محافل البحوث النقدية الأكاديمية وغير الأكاديمية.
