إعداد – التآخي
تشير جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية إلى أخطر الانتهاكات للقانون الدولي، لكن لكل منهما تعريف محدد وأركان تختلف عن الأخرى. وجرائم الحرب هي انتهاكات خطيرة لقوانين وأعراف الحرب المطبقة في النزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أو غير دولية؛ اذ تهدف هذه القوانين إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال (مثل المدنيين والموظفين الطبيين) وتلك الممتلكات التي لا تستعمل لأغراض عسكرية.
أمثلة الجرائم: القتل العمد للمدنيين أو أسرى الحرب و التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية وتدمير الممتلكات على نطاق واسع من دون ضرورة عسكرية تبرر ذلك؛ استعمال أسلحة محظورة، الاعتداء الجنسي والاغتصاب في سياق النزاع.
و جرائم الإبادة الجماعية (Genocide) هي جرائم تتميز بالقصد الخاص وهو نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة محمية (قومية، إثنية، عرقية، أو دينية) بصفتها هذه. وهي جريمة دولية قائمة بحد ذاتها، سواء ارتكبت في زمن الحرب أو في زمن السلم؛ القصد الرئيس منها: تدمير مجموعة مستهدفة. و الأفعال التي تشكل إبادة جماعية تشمل قتل أعضاء من الجماعة، و إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، و إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يقصد بها تدميرها المادي، وفرض إجراءات تهدف إلى منع الولادات في داخل الجماعة؛ نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.
تعد كلتا الجريمتين من أشد الأفعال وحشية ولها تأثيرات مدمرة وطويلة الأمد على نسيج المجتمع البشري تتضمن التدمير المادي والسكاني بخسارة الأرواح، اذ تؤدي إلى القتل الجماعي، مما يسبب خسارة هائلة ومباشرة في الأرواح وتفكيك العائلات.
النزوح والتشريد: ترغم أعدادا كبيرة من السكان على الفرار، مما يؤدي إلى أزمات لاجئين حادة وتشريد داخلي، وتغير دائم في التركيبة السكانية للمناطق المتأثرة.
ويتسبب العنف المنهجي والواسع النطاق في صدمات نفسية عميقة للناجين والشهود، تستمر لعدة أجيال، وانهيار البنى الاجتماعية، و تدمير الثقة بين الأفراد والجماعات والسلطات، مما يمزق الروابط الاجتماعية ويهدد التماسك المجتمعي. و تترك هذه الجرائم إرثا من المرارة والكراهية بين الجماعات، مما يعرقل جهود المصالحة وبناء السلام لمدد طويلة.
و تشكل هذه الجرائم انتهاكا صارخا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي والإنساني، وتضعف مصداقية المنظمات الدولية المكلفة بحماية حقوق الإنسان؛ و غالبا ما تؤدي هذه الأفعال إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وتتطلب تدخلا دوليا لوقف العنف.

و تعد هذه الجرائم اعتداء على الإنسانية جمعاء، وتبرز أهمية التعاون الدولي لمحاسبة مرتكبيها وضمان عدم تكرارها.
دور المحكمة الجنائية الدولية في المواجهة
تأسست المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بموجب نظام روما الأساسي في عام 1998، وبدأت عملها رسميا في عام 2002. مقرها في مدينة لاهاي بهولندا.
الهدف الرئيس لإنشاء المحكمة هو ضمان عدم إفلات مرتكبي أشد الجرائم خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره من العقاب، والاسهام في منع وقوع هذه الجرائم في المستقبل؛ وتختص المحكمة بمحاكمة الأفراد (وليست الدول) الذين يتهمون بارتكاب أربع فئات من الجرائم: جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان.
تعمل المحكمة الجنائية الدولية وفق مبدأ التكامل وهذا المبدأ يعني: ان المحكمة ليست بديلا للنظم القضائية الوطنية، فالأولوية الأولى لمحاكمة مرتكبي الجرائم هي للمحاكم في الدول التي ارتكبت فيها الجرائم أو التي ينتمي إليها المتهمون؛ و لا تتدخل المحكمة الجنائية الدولية إلا في حالتين رئيستين: إذا كانت الدولة المعنية غير راغبة بصدق في إجراء التحقيق أو المحاكمة، و إذا كانت الدولة غير قادرة على إجراء التحقيق أو المحاكمة بشكل فعال.
بمعنى آخر، المحكمة هي شبكة الأمان النهائية لتحقيق العدالة عندما تفشل النظم الوطنية.
ويمكن إحالة قضية ما إلى المحكمة بثلاث طرق رئيسة، إحالة من دولة طرف: يمكن لأي دولة عضو في نظام روما الأساسي أن تحيل الوضع إلى المدعي العام، و إحالة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، اذ يمكن للمجلس أن يحيل وضعا في أي دولة (حتى لو لم تكن عضوا في نظام روما) إلى المحكمة.
و يمكن للمدعي العام أن يبدأ التحقيق بناء على معلومات موثوقة (بعد الحصول على موافقة الدائرة التمهيدية للمحكمة).
ان التعرف على القضايا التي نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية يوضح كيفية تطبيق مبادئها على أرض الواقع ويعكس التحديات الجغرافية والسياسية التي تواجهها.
ومن أبرز الأمثلة على القضايا التي جرى التحقيق فيها أو إصدار أحكام بشأنها، من قبل المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، فتركزت معظم القضايا التي نظرت فيها المحكمة حتى الآن في القارة الأفريقية، ولكن نطاق اختصاصها عالمي ويشمل تحقيقات حالية في مناطق أخرى.
ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية كانت الجريمة المحورية، تجنيد الأطفال دون سن 15 عاما واستخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية، و كانت هذه أول قضية تصل إلى الحكم في تاريخ المحكمة. أدين توماس لوبانغا عام 2012 بتهمة جرائم حرب وحكم عليه بالسجن لمدة 14 عاما. و شددت سلطة المحكمة على حماية الأطفال في النزاعات المسلحة.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى كانت الجريمة المحورية: القتل، الاغتصاب، والنهب كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، المتهم فيها جان بيير بيمبا غومبونغو، نائب الرئيس السابق للكونغو الديمقراطية وزعيم حركة تحرير الكونغو.
ما حدث: أدين بيمبا في البداية بمسؤوليته القيادية عن الجرائم التي ارتكبتها قواته في جمهورية أفريقيا الوسطى، ومع ذلك، ألغي هذا الحكم لاحقا من قبل دائرة الاستئناف عام 2018، في سابقة مهمة بشأن مسؤولية القادة.
وفي السودان (دارفور) الجريمة المحورية كانت: الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور؛ و المتهم: عمر البشير، الرئيس السوداني المخلوع، و أصدرت المحكمة أول مذكرة توقيف بحق رئيس دولة حالي (حينها) في عام 2009 بتهمة الإبادة الجماعية. هذه القضية سلطت الضوء على تحدي تعاون الدول في تنفيذ أوامر القبض، اذ لم يجري تسليمه إلى المحكمة إلا بعد الإطاحة به في 2019، وما زال ملفه قيد المتابعة.
وفي كينيا – قضايا ما بعد الانتخابات، الجريمة المحورية: الجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والترحيل القسري، التي ارتكبت عقب أعمال العنف التي تلت الانتخابات عام 2007، كان من بين المتهمين اوهورو كينياتا (الذي أصبح رئيسا لاحقا) ونائبه، أسقطت القضايا ضد كينياتا وآخرين لاحقا بسبب ما وصفه المدعي العام بـ “نقص الأدلة” الناجم عن الترهيب السياسي والاعتداء على الشهود. هذه القضايا أبرزت صعوبة حماية الشهود وتأمين الأدلة في القضايا ذات الحساسية السياسية العالية.
وفضلا عن هذه القضايا، تجري المحكمة حاليا أو أجرت تحقيقات أولية في عديد المناطق، منها، فلسطين: تحقيق مستمر في الجرائم المشكو منها المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أوكرانيا: تحقيق شامل في الجرائم المرتكبة في سياق النزاع المستمر.
تظهر هذه القضايا أن المحكمة الجنائية الدولية حققت نجاحات في إرساء سوابق قانونية، لكنها تواجه تحديات كبيرة، أبرزها، اعتماد المحكمة على الدول الأعضاء لتنفيذ أوامر الاعتقال، و الضغوط السياسية التي يمكن أن تؤثر على عمل المدعين والشهود.
التحديات التي تواجه المحكمة الجنائية الدولية
إن التحديات التي تواجه المحكمة معقدة وتنقسم بين تحديات داخلية متعلقة بآليات عملها وتحديات خارجية تفرضها الدول القوية غير الأعضاء أو التي تعارض التحقيقات.
أكبر تحد للمحكمة هو أنها لا تمتلك قوة شرطة خاصة بها أو آليات تنفيذ مباشرة. فهي تعتمد كليا على التعاون مع الدول الأعضاء: يجب على الدول الموقعة على نظام روما الأساسي أن تتعاون في تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة وتسليم المتهمين.
ويجري عصيان أوامر القبض برفض بعض الدول، حتى الأعضاء، اعتقال وتسليم شخصيات متنفذة (مثل حالة البشير في السودان)، مما يؤدي إلى تأخير العدالة أو إفلات المتهمين من العقاب؛ كما تبرز صعوبة بالغة في حماية الشهود والأدلة، بخاصة في القضايا ذات الحساسية السياسية العالية، مما قد يؤدي إلى إسقاط التهم (كما حدث في بعض قضايا كينيا).
وتعرضت المحكمة لانتقادات شديدة بأنها تركز تحقيقاتها بشكل شبه حصري على الدول الأفريقية. هذا النمط أدى إلى اتهامات بأن المحكمة تتجاهل الجرائم المرتكبة في دول قوية أو في الغرب؛ دفع هذا الانتقاد بعض الدول الأفريقية إلى التهديد بالانسحاب من نظام روما الأساسي، مما يهدد شرعية المحكمة العالمية.
ويمثل موقف القوى العظمى التي لم تصدق على نظام روما الأساسي، أو تلك التي سحبت توقيعها، تحديا كبيرا لقوة المحكمة، فالولايات المتحدة الأمريكية برغم تعاونها في بعض الحالات (مثل إحالة مجلس الأمن لقضايا معينة)، إلا أنها تعارض بقوة أي محاولة من المحكمة للتحقيق مع مواطنيها. وقد فرضت عقوبات على موظفين في المحكمة بسبب التحقيق في أفغانستان.

روسيا والصين: بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، يمكنهما استعمال حق النقض (الفيتو) لمنع إحالة قضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال عدم موافقتهما عليها، مما يحد من قدرة المحكمة على العمل في مناطق نفوذهما. هذا الرفض من قبل القوى الكبرى يضع المحكمة في موقف ضعف، اذ أن سلطتها تصبح جزئية ومقتصرة بشكل كبير على الدول التي لا يمكنها مقاومة الضغوط الدولية.
الآفاق المستقبلية
تواجه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطا هائلة، لكن جهودها تتركز على تعزيز دورها وفعاليتها من بوساطة المسارات المتعلقة بتوسيع النطاق الجغرافي والعدالة الشاملة.
و في السنوات الأخيرة، بدأت المحكمة بالتحقيق في أوضاع خارج القارة الأفريقية (مثل فلسطين، جورجيا، وأوكرانيا). هذا التوسع مهم لـدحض اتهامات التحيز وإثبات أن المحكمة لا تستهدف منطقة واحدة، وأنها تسعى لتطبيق العدالة بشكل محايد وعالمي.
وجرى ترسيخ المبدأ العالمي بالتشديد على أن الجرائم الأساسية الأربعة (الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، والعدوان) يمكن أن ترتكب في أي مكان في العالم، و تعزيز مبدأ التكامل والعدالة الوطنية، للتغلب على تحدي التنفيذ، اذ تركز المحكمة بشكل متزايد على مساعدة الدول الوطنية لتعزيز قدراتها القضائية؛ هذا يعني: تشجيع المحاكم المحلية بدفع الدول الأعضاء (وغير الأعضاء) لدمج نظام روما الأساسي في قوانينها الوطنية ومحاكمة المتهمين محليا.
كما يجري تقاسم الأعباء: إذا نجحت الدول الوطنية في المحاكمة، يقل العبء على المحكمة الدولية وتتحقق العدالة بشكل أسرع وأقرب إلى المجتمعات المتضررة.
وتعتمد المحكمة على بناء شراكات قوية، بخاصة مع المنظمات الإقليمية (مثل الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة الدول الأمريكية). هذه الشراكات تهدف إلى، تسهيل التعاون بالضغط المشترك على الدول للامتثال والتعاون في تسليم المتهمين، و توفير غطاء سياسي للمحكمة في مواجهة انتقادات الدول غير الأعضاء.
وتطوّر المحكمة أيضا أساليبها لتواكب التطورات التكنولوجية والجنائية، ومن ذلك تحليل الأدلة الرقمية باستغلال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي لجمع وتحليل الأدلة من وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني، وهو أمر حيوي في النزاعات الحديثة.
ويجري تعزيز برامج الحماية والدعم للشهود والضحايا، لضمان سلامتهم ولإنجاح المحاكمات.
ان المحكمة الجنائية الدولية، تمثل الملاذ الأخير للعدالة. وبرغم أنها تواجه تحديات مستمرة تتعلق بالتعاون (عدم تواجد شرطة خاصة بها) ومعارضة القوى الكبرى غير الأعضاء، إلا أن مستقبلها يكمن في توسيع نطاقها، وتعزيز دور العدالة الوطنية، وبناء تحالفات أقوى لترسيخ مبدأ المساءلة العالمية، فلقد جرى في السابق ان جرائم حرب خطيرة لم تُعرض بشكل كامل أو لم يحاكم مرتكبوها منها الصراعات السورية، اذ فشلت محاولات إحالة الملف إلى المحكمة بسبب الفيتو الروسي، مما ترك جرائم واسعة النطاق من دون محاكمة دولية؛ وكذلك جرائم ضد الروهينجا في ميانمار: واجهت المحكمة تحديات في ملاحقة الجرائم بسبب عدم انضمام ميانمار، والقيود على الاختصاص الإقليمي.
وبرغم أن المحكمة حققت في بعض القضايا الأفريقية، إلا أن هناك عديد النزاعات الأخرى التي لم تصل إلى جدول أعمال المحكمة. اما جرائم ما قبل 2002، فكانت جرائم الحرب التي وقعت قبل إنشاء المحكمة (مثل بعض فظائع رواندا ويوغوسلافيا، التي حوكمت عبر محاكم خاصة أنشئت لهذا الغرض) لم تكن ضمن اختصاص المحكمة إلا إذا كانت مستمرة.
و مثل بعض الأسلحة (الدمار الشامل، الألغام) التي لم تكن مجرمة بشكل واضح في النظام الأساسي للمحكمة في بداياتها، وكذلك عمليات الإبادة الجماعية بالأسلحة الكيمياوية ضد الكورد العراقيين في الحرب العراقية الايرانية وكذلك قتل وتهجير السكان الكورد فيما سمي بعمليات الانفال وتهجير وابادة الكورد الفيليين، اذ لم تكن الجنائية الدولية قد أسست في وقت ارتكاب تلك الجرائم.
باختصار، تظل هناك ثغرات كبيرة في تطبيق العدالة الدولية، اذ أن كثيرا من الجرائم الخطيرة لم تُعرض على المحكمة الجنائية الدولية بسبب تعقيدات القانون الدولي والسياسة الدولية، وتبقى خارج نطاق اختصاصها.