ياسر بادلي
لم يكن الخطأ الأميركي في سوريا زلّةَ تقديرٍ عسكريةً عابرة، ولا نتيجةَ نقصٍ في المعلومات الميدانية، بل كان خطأً إبستمولوجياً: سوء فهمٍ لطبيعة القوى التي تُنتَج حين يُستبدل مفهوم الحليف بمفهوم الأداة.
الولايات المتحدة، كما فعلت سابقاً في أفغانستان، لم تنظر إلى البُنى الاجتماعية والعقائدية للقوى التي دعمتها، بل إلى وظيفتها اللحظية في ميزان الصراع. هكذا وُلد التحالف مع التطرّف السني مرةً لمواجهة السوفييت في أفغانستان، ومرةً أخرى لمواجهة الإيرانيين والروس في سوريا، وكأن التاريخ مجرد دائرة يمكن عبورها من دون أن تترك آثارها.
لكن التاريخ لا ينسى.
الثمن الذي دُفع عام 2011 في أمريكا لم يكن مفاجئاً، بل تحصيلاً حاصلاً لمسارٍ بدأ منذ أفغانستان: جماعات صُنعت على عجل، ونُفخت أيديولوجياً، ثم تُركت بلا أفقٍ سياسي أو أخلاقي. والرهان اليوم على ما يُسمّى القوات الحكومية السورية ليس إلا إعادة إنتاج للوهم ذاته، مع اختلاف الجغرافيا فقط. هذه التشكيلات لم تعد جيش دولة، لأنها لم تُبنَ يوماً كجيش دولة.
إنها تركيب هجين: ميليشيات، جهاديون، وأجهزة أمنية تتغذّى على خطابٍ طائفي، وتتحرّك خارج أي تعريفٍ جامع للوطن.
تحت سلطة الجولاني، لم تعد المجازر أحداثاً استثنائية، بل تحوّلت إلى لغة حكم. الساحل السوري والسويداء ليسا مجرد مسرحين للعنف، بل شاهدين على انهيار فكرة الحماية نفسها.
الأخطر ليس في عدد الضحايا، بل في هوية الفاعلين: حين يكون منفّذ تفجير كنيسة مار إلياس عنصراً في الأمن العام، وحين يخرج قاتل الأميركيين في تدمر من الجهاز ذاته، فإننا لا نكون أمام اختراقٍ فردي، بل أمام عطبٍ بنيوي. الجهاز الذي يُفترض أن يمنع العنف أصبح مصنعاً له، والدولة التي يُفترض أن تحتكر القوة سلّمتها لعقيدة لا تعترف إلا بذاتها.
في هذا المشهد، تظهر قوات سوريا الديمقراطية كاستثناءٍ لا ينسجم مع الفوضى المحيطة به، كجسمٍ غريب في معادلة مختلّة. أكثر من عشر سنوات من الشراكة مع التحالف الدولي، من دون إصابة جندي أميركي واحد في مناطقها، ليست تفصيلاً أمنياً، بل دلالة سياسية وأخلاقية. الانضباط هنا ليس تقنيةً عسكرية فقط، بل انعكاسٌ لرؤية: رؤية تفهم أن السلاح بلا أخلاق يتحوّل إلى لعنة، وأن التحالف ليس صفقةً مؤقتة بل مسؤولية متبادلة.
قسد ليست ملاكاً، لكنها بنية واضحة: قيادة، عقيدة دفاعية، وحدود استخدام القوة. هي قوة تعرف من تحمي ولماذا. لذلك فإن السؤال الجوهري ليس سياسياً فحسب، بل وجوديّاً:
كيف يمكن لقوة بُنيت على التنظيم، والتعدّدية، وحماية المجتمع، أن تُذاب في جيشٍ فقد تعريفه لنفسه؟
الفجوة هنا ليست فجوة تفاوض، بل فجوة معنى. قسد تمثّل مشروعاً ديمقراطيا في التعدّدية شرطاً للبقاء، وفي التعليم استثماراً ضد العنف، وفي حماية المجتمع فعلاً سيادياً. في المقابل، الجيش السوري بصيغته الحالية ليس جيش دولة، بل جيش عقيدة مغلقة، يعيد إنتاج الخوف، ويغذّي الانقسام، ويحوّل الاختلاف إلى جريمة وهذا ما فعلوه في الساحل والسويداء
الفرق لا يحتاج إلى لجان تحقيق ولا إلى تقارير دولية.
هو فرق يُرى بالعين المجرّدة:
قوة تبني استقراراً هشّاً لكنه قابل للحياة والعيش المشترك، في مقابل واقعٍ عسكري يهدم ما تبقّى من فكرة الدولة، ويغذّي التحريض والكراهية ضد أبناء الدولة والمجتمع السوري.
وما لا يمكن القفز فوقه أخلاقياً:
لا يُطلب من الضوء أن يذوب في الظلام،
ولا من قوةٍ أثبتت أنها تحمي الحلفاء أن تُسلَّم لمؤسسة فقدت بوصلتها،
ولا من مشروعٍ يحاول إنقاذ المستقبل أن يُدمج قسراً في آلة تعيش على إعادة إنتاج الماضي.
هنا، يصبح الاندماج ليس حلاً، بل إلغاءً.
ويصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف تندمج قسد؟
بل: لماذا يُصرّ البعض على أن يتصالح النور مع العتمة، بدل أن يعترف بأن المشكلة ليست في الضوء، بل في الليل الطويل الذي يرفض أن ينتهي؟