الاتجار بحقوق الانسان

مسلم عباس

لا تخلو نشرة إخبارية او صحيفة من قصص التباكي على الأطفال والنساء الذين تنهشم القنابل الذكية والغبية، والتي تبحث الانسان باعتباره هدفا للتخريب بين ثنايا التخطيط الاستراتيجي لاستعادة النفوذ والغباء السياسي من قبل بعض أطراف الصراع في الشرق الأوسط، فلغة الدم والدمار أصبحت أساس التفاهم “المفقود” اصلاً. ولا نختلف هنا على ادانة ما يتعرض له المدنيون في جميع انحاء العالم وبدون استثناء لكن طريقة الإدانة وازدواجية التعامل مرفوضة تماما وتعد اتجارا بحقوق الانسان يحاول من خلالها كبار ساسة العالم استغلال عواطف الجماهير لتحشيدها ضد اعدائهم .

عندما يسمع غير العارف خطابات القادة السياسيين يعتقد انهم ملائكة منزلون من سماوات الرحمة، فكلامهم تسوده أجواء الحزن على ما ذهب اليه العالم من انحدار في القيم، ويحاولون تضليل الراي العام العالمي بأنهم بعيدون عن صياغة الحياة وفق قيم الصراع والحرب الدائمة، ومن سخرية القدر ان دول العالم “المتقدمة” هي الأولى في صناعة وتجارة الأسلحة الفتاكة، وهي الأولى ايضا في مجال الدفاع عن حقوق الانسان بمنظماتها ومؤسساتها الدعائية التي تروج لهكذاأفكار .

لا يختلف الاتجار بملفات حقوق الانسان عن الاتجار بالإنسان نفسه، فكلاهما يستخدم طرقا ملتوية للإيقاع بفريسته، مع اختلاف الوسائل والأدوات، فتجار الأعضاء البشرية يوهمون ضحاياهم بالنعيم في الدول الأخرى، ويعدونهم بتخليصهم من الحالة المزرية في بلادهم لينقضوا عليهم في منتصف الطريق ويتركوهم يواجهون مصيرهم في متاهات الحياة، اما الاتجار بملفات حقوق الانسان فهي عملية فكرية وسياسية اكثر من كونها استهدافا جسديا، والمواطن في الشرق الأوسط يعيش في ظل ظروف صعبة تجعله يبحث عن مخرج للنجاة وهذا توفره الماكنات الإعلامية الضخمة، لتخلق جوا إنسانيا وهميا تصطاد فيه جمهورها وتجعلهم يصدقون الادعاءات التي يسوقها ساسة الغرب والشرق معا .

الكاتب والروائي المصري “أياد حرفوش” كتب مقالا في موقع قناة الميادين تحت عنوان “من إدارة التوحش الى إدارة التعاطف”، تحدث فيه عن أربعة مرتكزات اساسية تستخدم في صناعة الوعي الجماهيري وإدارة الاتجار بحقوق الانسان التي يسميها “إدارة التعاطف” من خلال استغلال الصفات التي تتسم بها الجماهير العريضة وهي كالاتي :

1- غياب المتابعة الدقيقة للأحداث وعدم الإلمام بالواقع، فالقاعدة الجماهيرية قلما تتابع أزمة سياسية بتفاصيلها لتكون صورة محددة عن أطراف الصراع فيها.

2- غياب الدراية التاريخية، فاليوم هو وليد للأمس وأب للغد، وعدم الإلمام بالجذور التاريخية لأي صراع يسهل على الآلة الإعلامية تمرير رسائل تناقض حقائق التاريخ.

3- الاعتماد على الوجبات الثقافية الجاهزة، فأنت أمام جماهير تقرأ تغريدة ولا تقرأ مقالاً، تشارك صورة على فيسبوك ولا تشارك تحليلاً، تروج لهاشتاغ ولا تروج لفيلم تسجيلي كاشف.. ثقافة الوجبات الجاهزة تلك كانت عماداً رئيسياً في صنع الأزمة. فبينما نملك عقولاً تنتج وجبات فكرية ثقيلة يملك الخصم موازنات ضخمة وخبرات إعلامية تنتج صوتاً وصورة أكثر تأثيرا.

4- غياب القضية المحورية والأدلجة، فمن يملك قضية محورية تصنع له قضيته انحيازات واضحة، وتجعل مهمة الإعلام في تغيير انحيازاتهوحرف بوصلته صعبة

قد يعجبك ايضا