حب يفيض على صدر يخشى الندى

عماد الطيب 

كاتب 

أمضيتُ عُمري أمطِرُ مشاعرَ دافئة على روحٍ ظننتها أرضًا عطشى، فإذا بها تحملُ مظلّة لا تتبلّل، ولا تشعر، ولا تنبت فيها وردة واحدة من ذلك المطر الذي أرهق سُحب قلبي. كنتُ أُسرف بالعطاء كأنني غيمة خُلقت فقط لتجود، بينما كانت هي تمدّ فوق روحه قماشة باردة، تجفّف بها كل قطرة أحببت أن تُثمر فيها نورًا. لم يخطر ببالي يومًا أن المشاعر حين تهطل لا تهدم المظلات، بل تنكسر هي. كُنتُ أظنّ أن الحبّ يذيب المسافات، ويكسر الحواجز، ويُسقط كل ما يحول بين القلب والقلب. لكنني كنتُ مخطئًا… فالمظلة التي تُرفع في وجه المطر ليست لحماية الجسد، بل لحجب الروح عن أي دفء، عن أي صدق، عن أي يد تريد أن تقترب. كنتُ غيمةً جميلةً… لكنني كنتُ غيمةً ساذجة. ظننتُ أن هطولي عليها واجب، وأن سكب مشاعري فضيلة، وأن استمرار عطائي بطولة. نسيتُ أن البطولة ليست أن تُعطي لمن لا يريد، بل أن تحفظ قلبك ممّن يتقن فنّ الصدّ بأناقة، ويُتقن التظاهر بأنّ البلل يزعجه، وأن دفء المشاعر عبء لا يحتمله. كم هو مُوجع أن تدرك متأخرًا أن كل الليالي التي قضيتها تسقيها كانت مجرد مشهد عبثي: أنت تسكب نبضك، وهي تفتح المظلّة أكثر. أنت تبلّل الكلمات لتزهر، وهي تحرص على أن تبقى أرضها يابسة، لأنّها ببساطة… لا تريد أن ينبت في داخلها شيء يُلزمها بشيء. لقد كنتُ أمطر عليها شوقًا، وهي تمسح قطراتها عن كتفيها بلا اكتراث. كنتُ أكتب لها رسائل من قلب يرتجف، وهي تطويها كأنها أوراق بلّلتها السماء خطأً. كنتُ أقترب، وهي تبتعد بخطوة محسوبة، كمن يخشى أن يقع في فخّ الشعور. والأقسى أنّني كنتُ ألوم نفسي كلّما رأيتها جافًة، صامتًة، منطفئًة. كنتُ أظنّ أن المشكلة في كمية المطر، أو في توقيته، أو في شدّة الهطول. لم يخطر لي أنّ المشكلة ليست في المطر… بل في المظلة. مظلّة صُنعت من البرود، ومن الحكمة الزائفة، ومن الخوف، ومن ذلك النوع القاسي من اللامبالاة الذي يقتل كل شيء من دون أن يرمي رصاصة واحدة. اليوم فقط عرفتُ الحقيقة: أنك مهما سقيتَ قلبًا محميًا بمظلّة، فلن تُثمر كلمة، ولن تنبت لمسة، ولن تُشرق لحظة. مشاعرك ستتساقط عليها… ثم تنزلق عنها… ثم تضيع. وأنا تعبتُ. تعبتُ أن أكون غيمة تبحث عن سماء لا تريد المطر. تعبتُ أن أكون قلبًا يركض خلف ظلّ، خلف فراغ، خلف شخص يُتقن فنّ حمل المظلة أكثر مما يتقن فنّ استقبال الحُب. لقد فهمتُ أخيرًا: ليس كل مَن يبتسم لك يريدك. وليس كل مَن يراك سحابًا يطلب المطر. وبعض القلوب ليست أرضًا عطشى… بل صخورًا لا يخترقها شيء. من اليوم لن أمطر على أحد لا يُنزل مظلّته. لن أهدر غيمي على أرض لا تنتظر الربيع. سأحفظ مطري لقلوبٍ تستقبلني بذراعين مفتوحتين، بلا مظلات، بلا هرب، بلا تحصّن. سأهطل فقط على مَن يفهم أن المطر نعمة… لا إزعاجًا. وإن كان عليّ أن أصدِم نفسي بالحقيقة، فسأفعل: أحيانًا لا ينهينا الآخرون… نحن الذين نُهلك أنفسنا حين نصرّ على السقوط فوق من لا يريد البلل. وها أنا… طويتُ غيمي، ورفعتُ رأسي للسماء، واكتشفتُ أنني لم أُخلق لأمطر على من يحمل مظلّة… بل لأهطل على من ينتظرني.

قد يعجبك ايضا