محمد علي محيي الدين
ولد القاص والصحفي نهاد عبد الستار رشيد عباس الصابري في مدينة الحلة عام 1945، المدينة التي نهل من أنهارها الأولى نغمة السرد وأول الحكايات. فيها نشأ وتعلّم، ومنها انطلق إلى فضاءات أرحب. كان منذ بواكيره شديد التعلّق بالكلمة، فشقّ طريقه بين الوظائف الحكومية والدراسة، حتى حمل شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة بيروجا الإيطالية، في رحلةٍ جمعت بين الاغتراب والتكوين.

مارس نهاد عبد الستار العمل الصحفي بثبات واحتراف، ونثر نصوصه في أرجاء الصحافة العراقية والعربية، فصار اسمه مألوفًا في مجلات وصحف مثل “التراث الشعبي”، “الأقلام”، “الثقافة الأجنبية”، “العراق”، “الجنائن”، “الخيمة”، “الاديب”، “أهلة”، و”الادب العربي”. لقد كتب بروحٍ لا تعرف الضجر، واستبطن حياة الكلمة كما تستبطن البذرة ماء الأرض.
لم يكن نهاد مجرد كاتب، بل حامل همّ ثقافي، ووجه فاعل في المشهد الأدبي العراقي؛ فقد انتسب إلى اتحاد أدباء وكتاب بابل، وكان زميلًا في جمعية مؤلفي الأدب على الإنترنت، ومحررًا في صحيفة “الأديب” العراقية، كما عمل في صحف ومجلات مهمة مثل “طريق الشعب”، و”الأقلام”، التي كانت تعتمد عليه مراسلًا لها في فنلندا، و”الثقافة الأجنبية” التي لازمها عقدين من الزمن.
ترك القاص بصمته الواضحة في مجال الرواية والقصة القصيرة، فكانت له روايات ذات نكهة إنسانية عميقة، منها:
“لاتَ ساعة مندم” (2002): رواية تكشف بمرآتها السوداء خيبة الإنسان وسط العواصف التي تعصف بالبلاد.
“في القلب متّسع للحب”: حيث العاطفة ليست مجرد شعور، بل خلاص فردي في عالم متصدّع.
“في الأرض متّسع للعيش”: نظرة متأملة إلى قضايا الإنسان وتوقه إلى حياة كريمة.
“الأمل”: مجموعة قصصية تنسج عوالم الشخصيات البسيطة، وتعيد الاعتبار للمهمّش والمنسيّ.
لقد مثّل نهاد عبد الستار نموذجًا للكاتب المتعدد، الذي يربط بين الصحافة والأدب، وبين التوثيق والحلم، وبين الحرف والقلق. وما بين مشاركته في الأيام الثقافية العراقية الفنلندية عام 1979، ودراسته المقدّمة في مؤتمر الترجمة الأدبية، وما بين مقالاته النقدية الغزيرة التي تناولت الشعر والرواية والقصة، ترك إرثًا غنيًّا لمن يتتبع تحولات الأدب العراقي الحديث.
ونهاد عبد الستار صوت سرديً يتقاطع مع تجارب جيل ما بعد الستينيات، لكنه ظلّ وفيًّا لخصوصيته، بعيدًا عن الضجيج والتيارات الطارئة. قال عنه أحد النقّاد: “إن نهاد عبد الستار كاتب لا يسكنه الغموض بل الوضوح الإنساني، وهو ما يجعل قصصه تمتاز بصدق داخلي لا تشوبه الصناعة المتكلّفة.” بينما رآه آخر: “صحفيًّا يكتب بأدوات القصّاص، وقاصًّا يفكر بعين الصحفي، فتنشأ نصوصه في برزخ حيوي بين التوثيق والتخييل.”
وهو من الجيل الذي ظل يحمل جمرة الثقافة الحقيقية، رغم الإقصاء والتهميش. فهو ليس من الكتّاب الذين خضعوا للنجومية المصطنعة، بل بقي وفيًّا للكلمة التي تؤمن بالإنسان أولًا.
اليوم، ونحن نتصفح سيرة نهاد عبد الستار رشيد، ندرك أننا أمام قامة عراقية مخلصة، نسجت مجدها بصبر العارف، وتواضع الكبار. قاص لا يُمكن أن يُذكر سرد العراق الحديث دون التوقف عند محطاته، وصحفي بقي مخلصًا للصدق رغم ما حاق بالصحافة من تغييب وتزييف.