عرفان الداوودي
بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدها إقليم كوردستان، تعرّضت عدد من المدن لأضرار متفاوتة، وكانت مدينة جمجمال والقرى التابعة لها من أكثر المناطق تضررًا، حيث تضررت منازل العوائل وممتلكاتهم، وبرزت مشاهد المعاناة بوضوح عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الكوردية، التي نقلت حجم الكارثة بصدق ومسؤولية.
لكن، وكما هو عهد الكورد في الشدائد، لم تُترك جمجمال وحدها.
فما إن انتشرت صور الأضرار، حتى هبّ الشعب الكوردي من جميع محافظات الإقليم؛ من أربيل ودهوك والسليمانية، ومن الأقضية والنواحي التابعة لها، في مشهد إنساني نادر، ليقدّموا المساعدات المالية، والغذائية، والمواد المنزلية والكهربائية، دون انتظار نداء رسمي أو توجيه حكومي.
اللافت والمؤثر في هذه الملحمة الإنسانية، أن الأطفال كانوا في مقدمة المتبرعين، بعضهم تبرع من مصروفه البسيط، وآخرون من ألعابهم وملاذهم الصغير. وكان المشهد الأجمل حين تبرع طفل بحصّالته التي جمع فيها مبلغًا من المال كان يحلم أن يذهب به إلى العمرة، لكنه اختار أن يقدّم حلمه قربانًا لإنقاذ عوائل متضررة. صورة تختصر معنى الإنسانية في أنقى صورها.
وفي الطرقات، اصطفت السيارات الخاصة، والبيك آب، والتريلات في طوابير طويلة، محمّلة بالمساعدات الإنسانية، متجهة إلى المناطق المنكوبة، في مشهد يعكس وحدة المجتمع وتكاتفه، ويؤكد أن كوردستان ليست مجرد جغرافيا، بل عائلة واحدة وقت الأزمات.
وفي المقابل، يتساءل كثيرون بمرارة:
لماذا لم نرَ أو نسمع أو نلمس أي دعم يُذكر من المحافظات الجنوبية أو الوسطى أو الغربية، ولا حتى من الدول العربية، رغم جسامة الأضرار؟
تساؤل يزداد إيلامًا حين نتذكر أن الكورد كانوا في مقدمة من قدّم المساعدات لغزة، وللبصرة، والرمادي، والكوت، وغيرها من المدن العراقية، دون تمييز أو حسابات.
إن ما جرى في جمجمال ليس مجرد استجابة طارئة لكارثة طبيعية، بل هو درس أخلاقي وإنساني يثبت أن الشعوب تُقاس بمواقفها وقت المحن، وأن الكورد، مرة أخرى، اختاروا أن يكونوا في صف الإنسان… حيثما كان لكن نرى مقارنة سياسية :بين دولة المواطن ودولة الشعارات تكشف كارثة جمجمال ، من تضامن شعبي
واسع في كوردستان، عن فارق جوهري بين ثقافتين في إدارة الأزمات. ففي الإقليم، تحرّك المجتمع قبل القرار السياسي، وتقدّم المواطن على الخطاب، بينما غابت في أجزاء أخرى من البلاد الدولة بمؤسساتها الفاعلة، واكتفت بعض القوى بالشعارات أو الصمت.
هذه المقارنة لا تهدف إلى التقليل من أحد، بل إلى طرح سؤال مشروع:
لماذا تنجح كوردستان في تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الوحدة المجتمعية، بينما تتحول الكوارث في مناطق أخرى إلى مادة للجدل السياسي أو التراشق الإعلامي؟
الجواب يكمن في طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة؛ حيث يشعر المواطن في كوردستان بأن ما يصيب جاره يصيبه، وأن المسؤولية جماعية لا موسمية.
لقد أثبتت جمجمال أن السياسة الحقيقية لا تُقاس بعدد التصريحات ولا بحجم الوعود، بل بقدرة المجتمع، بدعم أو غياب الدولة، على حماية أبنائه وقت الشدة. وهي رسالة صريحة لكل من يرفع راية القومية أو الوطنية دون أن يترجمها إلى فعل إنساني ملموس.