حين يتحوّل الواجب إلى بطولة وتتحوّل اللحظة إلى مستقبل وطن

احمد زبير باني

قبل أيام فقط، كانت السماء تغسل مدن كوردستان بمطرٍ لا يشبه الوداعة التي اعتدناها. انهمرت الأمطار بكثافة، وانطلقت السيول كأنها تحمل غضب الطبيعة كلّه، فداهمت چمچمال وكركوك وكلار، وجرفت في طريقها شوارع وبيوتًا وأحلامًا، وخلفت خسائر موجعة وأرواحًا رحلت قبل أوانها.

وفي خضم هذا المشهد القاسي، وبينما كان الجميع يهرب من الماء، كان هناك من يقف في مواجهته. في مدرسة تكية، وحين كانت المياه تنفجر بقوة خلف الجدران كأنها تبحث عن منفذ، كان الطلاب ما يزالون داخل الصفوف. الخوف يملأ الوجوه، والضجيج يتردد في الممرات، والوقت يضيق.

في تلك اللحظة، ظهر موقف لا يمكن أن يُنسى. أحد المعلمين، بوعي المسؤول وبقلب الأب، شعر بأن الخطر يقترب، وأن الجدار الذي يصمد الآن قد يسقط بعد لحظة. لم ينتظر أحدًا، لم يفكر كثيرًا… ركض نحو الطلاب، وفتح لهم الطريق الآمن ليخرجوا واحدًا تلو الآخر إلى جانب سياج المدرسة. كان يقف بينهم وبين الخطر، يقودهم، يصرخ لينبههم، ويمد يده لمن تردد أو خاف.

وبمجرد أن خرج آخر طالب… سقط الجدار. سقط الجدار، لكن لم يسقط طالب واحد. نجوا جميعًا، لأن هناك من كان يرى أنهم ليسوا مجرد تلاميذ بل مستقبل بلد كامل. هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة مقولة جندي في خضم الحرب حين قال:
((كنت في تلك اللحظة لا أحمل الحديد بل أحمل بلدي)). وهذا ما فعله ذلك المعلم؛ لم ينقذ عشرات الطلاب فحسب بل أنقذ ما سيصبح يومًا طبيبًا ومهندسًا وشاعرًا ومعلمًا آخر. أنقذ أحلام أهاليهم، وطمأن قلوبهم، وجعل من لحظة الخوف درسًا في الشجاعة.

لقد وقف ذلك المعلم في مواجهة الماء، ليس لأنه أقوى من السيول، بل لأنه أقوى من الخوف. وقف لأنه شعر، في تلك اللحظة، أن الوطن لا يُحمى فقط على الجبهات بل يُحمى أيضًا داخل مدرسة، بين جدرانٍ على وشك السقوط، وبين أطفال لم يدركوا بعد معنى البطولة.

وهكذا في زمنٍ تملؤه الأخبار المؤلمة، ما زالت هناك مواقف تضيء الطريق، وتقول لنا إن هذا البلد، رغم جراحه، ينهض كل يوم بأفعال أبنائه. ذلك المعلم لم ينقذ طلابه فقط. ذلك المعلم… أنقذ مستقبل وطن

قد يعجبك ايضا