فلسفة الطغرائي

د .صباح ايليا القس

الحكمة فلسفة العقل ، والحكمة مبعثها تجربة انسانية تعبر فيها النفس عن ثورة داخلية او قلق ذاتي تجسده فكرة ذات منطق سليم يعتمد على لغة كاشفة بمظهرها الطاغي بجمال الاداء وقدرة التعبير ..

الفكرة الكامنة في العقل بحاجة الى مظهر يليق بها فالفكرة كالحسناء التي لا بد من ألبسة وقلائد تزيدها حسناً وبهاءً ، هكذا هي فلسفة الحكمة التي عرفها الشعر العربي عند شعراء كثيرين وليس من شاعر إلا ونجد في شعره هذه الدفقات الشعرية وكلما كان الشاعر عارفا بامور الدين والدنيا وخاض تجارب الحياة تجد الحكمة وفلسفتها تنطلق عبر لسانه شعرا ذا نكهة فلسفية غير مقصودة على الاغلب وإن قصدها فهي تصدر عن رؤية وقناعة ثابتة في القول والفعل ..

وتكثر في ملحمة الطغرائي هذه الافكار التي تنطلق عبر أبيات لا أظن انه قد أنجزها في يومها ولا بد انها قد أخذت منه كثيرا من الجهد في الاستنتاج والتعليل والتحليل وايجاد القول المناسب في المكان المناسب . يقول في مطلع القصيدة ( لامية العجم ) :

أصالة الرأي صانتني عن الخطلِ      وحلية الفضل زانتني لدى العطلِ

فما جاء في الشطر الاول من اعتماد أصالة الرأي التي صانته عن القول الفاسد فانه يضيف اليها حلية الفضل التي زانته وشرفته واعطته المكان المناسب في الوقت المناسب فاذا قعد عن العمل فانه يعاتب الدهر فيقول :

والدهر يعكس آمالي ويقنعني        من الغنيمة بعد الكرَّ بالقفل

هكذا الدهر ملعون خبيث خؤون يتقلب مع الوقت فيقعد الناس عن آمالهم وطموحاتهم ولم يترك لديهم من غنيمة الكد والعمل والاجتهاد سوى العودة الى نقطة البداية .. فاذا ارتضى الرجل الاستكانة والخمول والقعود عن طلب المعالي نجده يقول :

حُبُّ السلامة يثني همّ صاحبه        عن المعالي ويغري المرء بالكسل

الحياة صراع دائم مع المستجدات وفي كل يوم جديد فاذا ارتضى المرء السلامة فانه يتراجع عن التدافع الايجابي ويرتضي الكسل وبرود الهمة وذلك ما لا يتوافق مع النشاط والحركة التي تفرضها شروط العيش .

كثيرون من المتعبين من يلقون فشلهم على شماعة الحظ والقسمة والنصيب كما جاء عند الطغرائي في قوله :

أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا                                       والحظ عني بالجهّال في شُغُل

انا اعترف وأقبل بصناعة الحظ ولا افترض أن أحدا سيقدم لي خدمة الحظ ، وليس من المعقول أن ابقى منتظرا حظي الذي يأتي وربما لا يأتي .. انا أقول بالاجتهاد والسعي والبحث المتواصل من اية فرصة لان الحياة فرص والناجح من استثمر تلك الفرصة التي من الممكن أن تكون حجر السعادة .

ولذلك يقول الطغرائي في الآمال عند الضيقات التي يعاني منها الناس :

اعلل نفسي بالآمال أرقبها       ما أضيق العيش لولا فسحة الامل

لا بأس بالآمال بشرط ألّا تكون الآمال ذريعة للكسل والخمول .

قد يعجبك ايضا