د. ياسين الزيباري
يتميز الشعب الكوردي بإيمانه بالله تعالى، وإخلاصه لدينه، ويشتهر بمحبته للعلماء، وإن كان الإنسان لم يكن متدينا ً بالمفهوم الظاهري، وهناك شواخص كثيرة في هذا المقام، وأتذكر شخصا ً كان مشهورا ً ببعض المخالفات، ولكن حينما كان يراني ؛ يقول : ( ملا إدع ُ لنا ) ومن حوله يضحكون، ولكن إن لم يكن الإيمان موجودا ً في قلبه لم يحب أهل العلم، ولا يجالسهم ، وما أريد أن أتحدث به هنا قصة حقيقية أتذكرها وأنا صغير لم أذهب إلى المدرسة بعد .
خصص لي والدي من يعلمني القرآن وابتداءً من الألف باء، مقابل أجور، واهدى إلي مصحفا ً من نسخة الحافظ عثمان، وأما البنات فقد خيــَّــطوا لي خـُرجا ً من قــماش فاخــر، وربطوا به حزاما ً لكي لأحمله على كتفي، وبالكوردية يسمى (چەندک) فكنت أذهب إلى المسجد، بعد صلاة العصر في الوقت الذي كان أولاد القرية يذهبون إلى الحصاد مع أهلهم، وحينما كنت أعود من المسجد إلى البيت، كان كل من يراني من بعض الجالسين تحت جدار المسجد والجدران الأخرى من الذين يتسامرون فيما بينهم ، وأحيانا ً كانوا يلعبون الدومنة، كانوا يقومون احتراما ً للقرآن، حتى أكملت ختمة القرآن، وأنا لم أذهب إلى المدرسة بعد.
ومن الأشياء التي أذكرها من إهتمام والدي بمعلم القرآن، أنه كان يخصص له كل شيء جديد وقبل أن نتناوله نحن يقول: (خذوا هذا للملا) ، وحينما كان يزورنا الملا إلى البيت كانت الديوانية طويلة، ولدينا سجادة خاصة لصلاة الجماعة من نوعية فاخرة جدا ً، كنا نفرش تلك السجادة من باب الديوانية إلى مقام جلوس الإمام، حيث كان يتصدر المجلس، حتى لو كانت الديوانية مليئة بالرجال فيمنع التحدث والتهامس، والتناجي وكلهم ينظرون إلى الملا، ويجلسون جلوسا ً أدبيا ً خاصا ً، وكأنهم على رؤوسهم الطير، وكأنهم في الصلاة.
كانت هيبته أكبر من هيبة أي ّ مسؤول، وحتى لو أن الملا رأى شيئا ً غير عادي في الملبس أو غير ذلك لا يجبه أحد بل يقولون له: (أنا خادم)، ولم يكن الملا وحده مكرما ً بل كان مركوبه محترما ً أيضا ً فكنا نجعل حذاءه فی خانة مخصصة لذلك. وقديما ً قالوا: (عادات السادات سادات العادات). رحمك الله يا شيخ سعيد، وأسكنك فسيح جناته، فلقد علمتنا وأحسنت إلينا، وببرکاتک تفــوّقـــنا.