إشكاليات التاريخ الكوردي: بين مأزق الجغرافيا، وعطب السياسة، وقلق الهوية

أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر

لا يمكن قراءة التاريخ الكوردي بوصفه سردًا متصلًا للانتصارات أو الهزائم فقط، بل بوصفه تجربة مركّبة من الصعود والانكسار، من الوعي والضياع، من البطولة والتشظي. إنه تاريخ شعب عاش على تخوم الإمبراطوريات، وفي قلب الصراعات، وعلى هامش الدولة. ومن هنا تتولد إشكالياته الكبرى.

فالتاريخ الكوردي ليس مجرد ماضٍ، بل سؤال مفتوح: لماذا تأخر التحول من الأمة الثقافية إلى الدولة السياسية؟ ولماذا ظل الكوردي حاضرًا في الثورات، غائبًا عن الخرائط؟
أولًا: إشكالية الجغرافيا – الجبل بوصفه حماية وعقبة

شكّلت الجغرافيا الجبلية لكردستان واحدة من أعظم مفارقات التاريخ الكوردي.
لقد كان الجبل ملاذًا من الإبادة، وحصنًا للهوية، وساحةً للحرية. لكنه في الوقت نفسه:

* عزّز التفكك السياسي
* أعاق نشوء السلطة المركزية
* رسّخ نمط الحياة العشائرية
* وصعّب تشكّل المدن بوصفها فضاءات للحداثة السياسية

لقد أنقذ الجبل الكوردي من الفناء، لكنه أبطأ انتقاله إلى الدولة. وهذه واحدة من أعمق المعضلات البنيوية في التاريخ الكوردي.

ثانيًا: إشكالية العشيرة – من قوة البقاء إلى عطب الدولة

العشيرة في التاريخ الكوردي لم تكن مجرد وحدة اجتماعية، بل:

* جيشًا
* واقتصادًا
* وقانونًا
* وسلطة حكم

لقد منحت الكوردي القدرة على الصمود في زمن اللادولة، لكنها في زمن بناء الدولة تحولت –في كثير من المراحل– إلى قيد سياسي.
فالعشيرة لا تفكر بمنطق الوطن، بل بمنطق الانتماء. ولا تتحرك بقانون عام، بل بعُرف خاص.

وهنا تتجسد المعضلة الفلسفية:
ما أنقذ الكوردي من الزوال، ساهم لاحقًا في تعطيل اكتمال مشروعه الوطني.

ثالثًا: إشكالية الانقسام – لعنة التاريخ غير المتصالح مع ذاته
قلّما واجه الكوردي خصمًا خارجيًا إلا وكان منقسمًا داخليًا.
فالتاريخ الكوردي مليء بـ:

* صراعات الأمراء
* تنافس الزعامات
* انشقاقات الأحزاب
* وحروب الإخوة

الانقسام هنا ليس حدثًا سياسيًا فقط، بل بنية نفسية–تاريخية تشكّلت عبر قرون من التنافس على البقاء في ظل غياب الدولة الجامعة.

إنها إشكالية “نحن” غير المكتملة…
أمة لم تنجح بعد في تحويل تنوّعها إلى وحدة، ولا اختلافها إلى عقد سياسي.

رابعًا: إشكالية العلاقة مع الآخر – بين التحالف والخذلان

من أبرز مآسي التاريخ الكوردي أن علاقته بالقوى الإقليمية والدولية كانت في الغالب:

* تكتيكية لا استراتيجية
* مصلحية لا تعاقدية
* ظرفية لا مضمونة

لقد تحالف الكوردي مع الجميع تقريبًا، وتُرك وحيدًا في لحظة الحسم. من معاهدات القرن التاسع عشر، إلى سايكس–بيكو، إلى 1975، إلى 2017…
كانت الخذلان الخارجي نتيجة مباشرة للهشاشة الداخلية.

خامسًا: إشكالية الهوية – بين القومية والانتماءات الموازية

الهوية الكوردية لم تتشكل في فراغ، بل داخل شبكة متداخلة من:

* الدين
* المذهب
* العشيرة
* المنطقة
* الحزب

ولهذا لم تكن القومية دائمًا هي الانتماء الأعلى. وقد أدى هذا التعدد غير المتوازن إلى:

* تشظي الوعي الجمعي
* تضارب المرجعيات
* وتعطيل تشكّل “المواطن الكوردي” بوصفه مفهومًا سياسيًا حديثًا

سادسًا: إشكالية الدولة – الحلم الذي لم يكتمل

على امتداد قرن كامل، ظلّت الدولة الكوردية:

* وعدًا مؤجلًا
* وحلمًا بلا إطار دولي ثابت
* ومشروعًا بلا حاضنة إقليمية مستقرة

من جمهورية كوردستان(1946)إلى إقليم كوردستان، ظل الكيان الكوردي يتقدم اجتماعيًا أسرع مما يتقدم سياسيًا. وهو ما جعل التجربة السياسية دائمًا عرضة للاهتزاز.

يمكن القول إن التاريخ الكوردي ليس تاريخ شعبٍ مهزوم، بل تاريخ شعب لم تكتمل شروط انتصاره بعد.
إنه تاريخ الإرادة التي لم تجد دولة، والهوية التي لم تجد سيادة، والثورة التي لم تجد عقدًا سياسيًا جامعًا.

لكن هذه الإشكاليات، على قسوتها، ليست قدرًا نهائيًا.
فما هو تاريخيًا قابل للتفكيك، هو سياسيًا قابل لإعادة البناء.
أهم إشكاليات التاريخ الكوردي ليست في قلة التضحيات، بل في:

* غياب الوحدة المستدامة
* تأخر الانتقال من العشيرة إلى الدولة
* هشاشة العلاقة مع الخارج
* وتشظي الهوية السياسية

وما لم تتحول التجربة الكوردية من تاريخ مقاومة إلى تاريخ مؤسسات، سيبقى الكورد بطلًا في الذاكرة، لا في الجغرافيا السياسية.

قد يعجبك ايضا