مهند صلاح حسن: بين شفافية الرؤيا وسريالية النزف

محمد علي محيي الدين

حين يُذكر الشعر بوصفه مرآة للروح، وموطئًا لجراح الإنسانية، لا بد أن يُستحضر اسم الشاعر والروائي مهند صلاح حسن، ذاك الذي وُلد في تراب ذي قار بتاريخ 24 تموز 1983، وأطلَّ على الحياة شاعرًا مبكرًا، لا يشبه أبناء جيله في شيء سوى التوقيت، لكنه كان، ومنذ قصيدته الأولى، يخطُّ دربه على صخرٍ من المعاناة والحدس والحنين.

انتقل مع أسرته إلى ناحية الإسكندرية في بابل، وهناك في ربوع الفرات الأوسط ، تناثرت بواكير رؤاه، قبل أن يواصل تعليمه في المعهد الفني، ومنه إلى الحياة العملية، مواصلًا شغفه بالأدب كتابة وانخراطًا، فكان عضوًا في اتحاد أدباء وكتاب بابل منذ عام 2003، ثم أسهم في تأسيس “نادي الشعر” في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين عام 2004، واستمر يكتب، ويحرر، وينشر، حتى أصبح اسمه يتردد في فضاءات الصحافة الثقافية والنصوص المعاصرة، من خلال عضويته في نقابة الصحفيين العراقيين، وعمله محررًا في جريدة “الدستور”.

نصوصه الشعرية: سريان المعنى في كثافة الصورة
منذ ديوانه الأول “قوانين تشبه الصمت” (2015)، بدا واضحًا أن مهند صلاح لا يكتب قصيدة نثر مألوفة، بل يزرع الكلمات على أرض وعرة، تُثمر دهشةً، وتنفجر رؤى. يتعامل مع اللغة كما لو أنها مادة طيعة بيد نحات سريالي، يستخرج منها رموزًا مشتعلة ومعاني تتداخل بين الواقع والحلم، وتتكئ على كثافة الدلالة وانسياب الصورة. لا غرابة إذن أن تكون عناوين قصائده لاهوتية الطابع أو ميتافيزيقية التكوين: ميتا أمل، نبوءة النخيل، ترنيمة البكاء، لاهوت كوني، فكل عنوان لوحة بحد ذاتها، كما وصفها الناقد عامر الساعدي، الذي رأى في ديوانه مريم أفقًا للوجدان والبعد الإنساني، وصورةً للعشق المتداخل مع الوطن، ودلالة على ثورة هادئة تترسب في الكلمات وتتفجر من بين حروفها.

كتب الساعدي أن الشاعر كان “يصُبُّ نزواته العشقية في حب الوطن والإنسانية”، وهي ملاحظة تفتح لنا بابًا واسعًا لفهم الطريقة التي يعبر بها مهند عن الواقع، لا بوصفه خارطة مادية، بل كبنية وجدانية ملأى بالتناقضات. في ديوانه “سهم في خاصرة البلاد” يقول:
عند انحناءات الأفق / كان صوت الصور / يتعكز على خاصرة الشفاه…
هنا يتجلى الشعر بوصفه مشهدًا بصريًا يلتصق بالحواس، لا بالعقل، فيندمج القارئ بالمشهد، لا ليفهمه، بل ليعيشه. وهي خاصية تميز شعر مهند، الذي يحسن أن يُدخل القارئ إلى لوحته بلا مقدمات.

من القصيدة إلى الرواية: شنكال جرحًا وسردًا
لم يكتفِ مهند بالصورة الشعرية وحدها، بل انتقل إلى فضاء الرواية، وكانت روايته “جحيم شنكال” (2020) تأريخًا روحيًا لذاك الجرح العراقي المفتوح، حيث مزج فيها السرد بالأسى، والتوثيق بالوجد، فخرج النص روائيًا وإنسانيًا في آن، يلتقط الكارثة لا بوصفها خبرًا، بل كفقدٍ شخصي تمس روحه، وتؤرّقه.
وقد أصدر أيضًا مجموعته “جدائل شنكال”، التي توالت طبعاتها، في تأكيد على ما أثارته من صدى، ليس لبلاغة الشعر فقط، بل لما حوته من تمثيل للألم الإيزيدي، ذلك الألم الذي حاول أن يتفكك في قصائده كما تتفكك الصورة في مرآة مشروخة.

النص، والتاريخ، والأنثربولوجيا: شاعرٌ لا يكتفي بالصورة
ولعلّ أبرز ما يميّز مشروع مهند صلاح حسن، هو تعدد انشغالاته، فإضافة إلى مجموعاته الشعرية الغزيرة، والتي جاوزت سبعة دواوين، يواصل عمله البحثي في مجالات تتقاطع فيها الثقافة بالتاريخ، والأنثروبولوجيا بالكتابة الأولى. فكتابه المنتظر “دموع إسرافيل” يستقصي جذور الديانة الإيزيدية، بينما يقدّم في “ميزوبوتاميا خارج النص التاريخي” تأملًا أنثربولوجيًا حول الذاكرة العراقية القديمة، كما يعمل على مشروع أنطولوجي مهم بعنوان “النص الأدبي في الحضارات الأولى”.
هذا الاتساع في الأفق المعرفي لا ينفصل عن اشتغاله الشعري، بل يُغنيه، ويضخُّ في نصوصه زخمًا من الطبقات التاريخية والرمزية، ويجعله شاعرًا “متعدد الأصوات”، يكتب القصيدة بوعي منقب، ويرى في الشعر أداة لاكتشاف الذات والتاريخ والآخر.

أثره النقدي وحضوره الثقافي
بأكثر من خمسة آلاف نص ومقال منشور في صحف عربية وعراقية وأجنبية – بعضها تُرجم لأكثر من ثماني لغات – يتبدّى مدى انتشار أثره الثقافي، ليس فقط من خلال ما يكتبه، بل بما يثيره من تفاعلات نقدية ونقاشات أدبية، تؤكدها مقالات عديدة تناولت أعماله، وشاركته القلق والرؤية، من بينها ما كتبه عامر الساعدي، الذي رآه متحررًا من سلاسل المنطق الثقيل، وسابحًا في مديات اللاوعي والحدس.

شاعر يُكتب بوصفه نداءً
مهند صلاح حسن ليس مجرد شاعر يكتب نصوصًا جميلة أو يصوغ صورًا باذخة، بل هو مشروع أدبي متكامل، يمتد من اللغة إلى الوجدان، ومن القصيدة إلى الرواية، ومن السرد إلى الحفر في أعماق الذاكرة التاريخية للإنسان العراقي. هو صوت خرج من الجنوب، لكنه اختار أن يكون مرآةً للبلاد كلها، وأن يبوح نيابة عنها، متجاوزًا زمنه، مشاكسًا واقعه، مخلصًا لما يحسُّ به من حب، ونار، ودهشة. هو شاعر لا تُروى سيرته، بل تُقرأ نصوصه، إذ وحدها تمنحنا ملامحه الحقيقية، وتفتح نوافذنا على سؤال جوهري: كيف يكون الشعر خلاصًا حين يكتب بلغة النار والماء؟

قد يعجبك ايضا