وسام علي: قصيدة جيلٍ مثقل بالخذلان

محمد علي محيي الدين

في مدينة الحلة، حيث تنبض بساتين الفرات بعبق التاريخ وتتشابك الأزقة بروح الشعراء، وُلد وسام علي حسين هادي الجوذري في الخامس من كانون الأول عام 1990. هناك تنفّس أولى حروفه، وهناك نسج البدايات التي ستحمله إلى عالم الكلمة. أكمل دراسته في مدينته، وبعد اجتيازه المرحلة المتوسطة التحق بالمعهد التقني ليختص في الميكانيك، غير أنّ الميكانيك لم يكن سوى مهنة للعيش، أما روحه فكانت تتعلّق بالشعر، تنقاد خلف إيقاعه وتفيض به. عمل موظفًا في دوائر الدولة، لكنه كان في داخله يكتب قصيدته الحقيقية، قصيدة الحياة والانكسارات، الحبّ والخيبة، الأمل والخذلان.

وسام علي شاعر لم يقف عند حدود الهواية، بل جعل من الشعر نهجًا ووسيلة للبوح. انتمى إلى اتحاد أدباء وكتاب بابل، وأسّس مع رفاقه جماعة “مليشيا الثقافة” التي أرادت أن تجعل الكلمة سلاحًا في وجه العنف والتهميش. وفي مسيرته أطلق عدّة مجاميع شعرية تركت أثرًا في المشهد الأدبي:

موتغرافيا – مجموعة شعرية صدرت عن المركز الثقافي للطباعة والنشر في بابل سنة 2016، مثّلت أول إطلالاته الجادة على الساحة.
قاموس الخيبة – مجموعة شعرية صدرت عن دار رواشن سنة 2021، عكست نزوعه نحو استبطان الانكسارات الوجودية.
مزاج… السيء – مجموعة شعرية صدرت أولًا عن دار روافد ثم أعيدت بطبعة ثانية عن دار أبجد سنة 2022، وقدّم فيها خطابًا شعريًا متوترًا يعبّر عن قلق جيلٍ يرزح تحت أثقال الواقع.

لم يكن وسام علي حبيس الحدود المحلية، فقد تسلّل صوته إلى خارج العراق عبر أنطولوجيات عديدة، منها: “أيقظت رصاصتك قلبي” (القاهرة – 2016)، و*”الشعر في حقول الألغام”* (لاهاي)، وأنطولوجيا مترجمة إلى الإيطالية بعنوان Muovi menti-segnali da un mondo Viandante بإشراف الشاعر والمترجم كاصد محمد سنة 2017، فضلًا عن حضوره في الكتاب الشعري لمهرجان ميزوبوتاميا العالمي للشعر عام 2017. كما شارك في مهرجان المربد بدورته الخاصة بالشاعر كاظم الحجاج سنة 2024، وهو حضور مثّل اعترافًا بمكانته بين الأصوات الشعرية الجديدة.

لقد وجد النقاد في تجربته ملمحًا يميّزه عن مجايليه؛ فهو يكتب بروح متمرّدة لا تسعى إلى تجميل الواقع بل إلى فضحه، وكأن قصيدته تصرخ بدلًا عن جيلٍ يرزح تحت وطأة الخراب. لغته تنبني على البساطة الموحية، إذ يستعيض عن التعقيد بالعمق، وعن الزخرفة بالجرح المباشر. وفي مزاج… السيء، تحديدًا، نرى انحيازًا إلى إيقاع داخلي متوتر يعكس الصراع النفسي الذي يعيشه، وهو صراع لا ينفصل عن هموم وطنه. أما في قاموس الخيبة، فقد بدت محاولته لتأصيل “لغة الخذلان”، لغة تحمل في طياتها انكسارات الفرد والجماعة معًا، لكنها تظلّ مفتوحة على أفق أملٍ ضامر، ما جعل بعض الدراسات الجامعية تلتقط هذا الخيط وتدرج شعره ضمن سياق “السرد العرقي” الذي يعيد تشكيل معاناة الجيل بلغة موشومة بالواقع.

ولعل أبرز ما يلفت في نتاجه هو تلك الطاقة التي تجمع بين التجريب والوفاء لجوهر الشعر. فهو شاعر يغامر بالمعنى، ويقترح صورًا مأزومة، ويمنح اللغة بعدًا احتجاجيًا يذكّر بأن الشعر ليس ترفًا بل فعل مقاومة. ومن هنا، فإن وسام علي لا يكتب قصيدة عن نفسه فقط، بل عن جيلٍ كاملٍ يبحث في الخراب عن نافذة ضوء.

من شعره قصيدته “ثلاجة الموتى” وهذه القصيدة تنتمي بوضوح إلى ما يمكن تسميته بـ شعر ما بعد الصدمة، إذ تستحضر لغة الانفجار، الأطراف المبتورة، البلاستيك المزروع في الجسد، وكرسي الإعاقة. النص لا يتكئ على صور رومانسية أو بلاغة مألوفة، بل يصوغ بلاغة الخراب اليومي، تلك البلاغة التي تولد من الجرح مباشرة.
المقطع الأول يقدّم المفارقة بين محاولة إخفاء علامات الفقد (الصلع/البتر) وبين عجز الجسد عن التستر على جراحه، وهو تمهيد لإيقاع القصيدة كله.

المقطع الثاني يختزن نقدًا ساخرًا عميقًا؛ يتحول فيه رمز “حبوب منع الحمل” من أداة للحدّ من الحياة إلى وسيلة مضادة للموت حين تُلصق على السيارات المفخخة، مما يكشف قدرة النص على تحويل الأشياء العادية إلى رموز مأساوية-ساخرة.
المقاطع (3 – 5) تكشف عن علاقة الجسد بالموت والتشظي، جسدٌ نصفه بلاستيكي، يشتكي حتى في أكثر تفاصيله حميمية. إنها كتابة تفضح هشاشة الكائن أمام آلة الحرب.

المقطع السادس يعيد ترتيب المشهد بسخرية قاتلة: الجندي يعبئ بندقيته بالماء، والشاعر وحده يصرخ ثم يعود للنوم، في صورة تلخص عبثية الحرب ولا جدوى الشعر أمامها.
من الناحية النقدية، القصيدة تمثل خطابًا شعريًا صادمًا، يخلخل القارئ عبر مفارقات جارحة ولغة أقرب إلى “النثر الفجّ” المقصود، حيث لا مجال للتزيين. إنها كتابة تستمد جماليتها من قدرتها على تصوير اللامعقول المأساوي بلغة يومية حادة، تجمع بين السخرية السوداء والاعتراف العاري.
باختصار: قصيدة “ثلاجة الموتى” تشتغل على إعادة إنتاج ذاكرة الحرب بجماليات القبح، لتقول إن الخراب حين يستوطن الجسد يصبح الشعر محاولة أخيرة للتنفس.

قد يعجبك ايضا