إبراهيم باشا المللي .. أمير الجزيرة ونديم السلاطين والرحّالة

عبد العزيز ايو

من رمال الجزيرة الفراتية، وفي ديارٍ تتقاطع فيها القبائل الكوردية والعربية عبر القرون، وُلد عام 1843 رجل كان قدَرُه أن يُصبح علمًا في السياسة والزعامة، إنه الأمير إبراهيم باشا بن محمود بك بن تيماوي بك بن محمود بك بن تيمور باشا المللي؛ سليل عشيرة الباڤمري الكوردية الملّية التي بسطت حكمها على المنطقة لما يقارب ألف عام.

لم يكن نسبه مجرّد سلسلة أسماء، بل تاريخ عميق يشهد عليه ما كتبه الرحّالة الألماني الشهير ماكس أوبنهايم الذي زاره في ويران شهر سنة 1899 قائلاً في إعجاب:

“ينحدر إبراهيم باشا من سلالة قديمة من الأمراء البدو الذين غزوا ممالك وأسسوا سلالات ملكية.”

طفولة أمير.. ماضٍ يصنع رجلاً

نشأ الامير إبراهيم باشا بين الخيول والرماح، وكبر على قواعد الفروسية والقيادة. وبعد وفاة والده محمود بك، تسلّم زمام قبيلة ملان في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فجمع القبائل ووطّد حكمه حتى أصبحت ويران شهر عاصمته المنيعة.

لم تكن إمارته عادية، بل امتد نفوذه من ماردين إلى آمد (دياربكر)، مرورًا بسهول ويران شهر وصولاً إلى أطراف الموصل وصولا الى حلب. هنا بدأت الألسن تردّد لقبه الشهير: “ملك كردستان غير المتوّج”

أما ثروته فذاع صيتها حتى سُمّي: “ثاني أغنى رجل في الشرق بعد السلطان عبد الحميد” إذ كان يجبي الضرائب من المدن التي يحكمها دون مشاركة أحد، ويرسل هدايا سنوية للسلطان؛ فيبادله السلطان محبة وثقة، حتى كان يناديه في الرسميات: “ولدنا إبراهيم” أو “ابني”

وفي عام 1873 أصدر السلطان فرمانًا يمنحه لقب باشا، ولاحقًا لقّبه بـ: “مير ميران كوردستان” – أمير أمراء كوردستان وأصبحت كل فرمانات الدولة التي تخصه تبدأ بهذه الصفة احترامًا لمكانته.

وقد قال السفير الروسي في إسطنبول زينوفييف: “نفوذ إبراهيم باشا بلغ حدًّا تُطاع مطالبه أكثر من أوامر السلطان نفسه.” حتى أن القنصل الروسي في دياربكر كتب أن الناس كانوا يحبونه أكثر من السلطان عبد الحميد.

زواجه ونسله :

تزوّج الباشا امرأتين كانتا امتدادًا للتحالف السياسي والقبلي:

• الخاتون خنسا باشا بنت معي داود آغا (من عشيرة خلجان الكوردية)
وأنجب منها الأمراء: عبد الحميد – معمو – إسماعيل – خليل
• الخاتون شمسا باشا بنت الشيخ عبد الله العثمان (من قبيلة جيس العربية)
وأنجب منها الأمراء: تيمور – عبد الرحمن

كان في زواجهما ترابط للأعراق والرايات بين العرب والكورد، فازدهرت حوله القوة والولاء.

بين السلطان والغرباء… دهاء سياسي

مع ضعف الدولة العثمانية، بدأت أوروبا ترسل مبعوثيها وعلماءها ورحّالتها بحثًا عن الثغرات والتأثير. فتح إبراهيم باشا أبوابه لهم، فزارته الشخصيات الأوروبية، وتوثّقت علاقته خصوصًا مع البريطاني السير مارك سايكس (1879–1919)؛ الدبلوماسي والضابط الذي سيصبح لاحقًا مهندس اتفاقية سايكس – بيكو.

كان سايكس ملحقًا فخريًا في السفارة البريطانية بإسطنبول، ومستشارًا للحكومة في شؤون الشرق. وقد زار إبراهيم باشا في ويران شهر عام 1906، قبل سنوات من رسم خرائط الشرق الجديد. في كتابه “ميراث الخلفاء الأخير” وصف سايكس الجزيرة في القرن التاسع عشر، قائلاً إن ثلاثة أمراء كبار حكموا المنطقة:

• أيوب بك (جدّ إبراهيم باشا) سيطر على الجزيرة من بحيرة بينكول إلى جبل سنجار.
• محمد بك حاكم رواندوز بسط نفوذه من الموصل حتى الحدود الشرقية.
• صفوق شيخ شمر كان سيّد قبائل البدو في الجنوب.

وفي طريقه إلى إبراهيم باشا، لاحظ سايكس الأمان العجيب للتجار الأرمن داخل أراضي المللية، حيث تُحترم قوافلهم وتُعامل بلطف في الأسواق والقرى.

لقاء الرجلين – حديث قوة وطموح :

جلس سايكس في خيمة الأمير، فوجد أمامه رجلاً حاد الذهن، مطّلعًا على أوروبا بطريقة لم يتوقعها. سأله الباشا عن:

• علاقة إنكلترا بإيرلندا
• مؤتمر الجيسيراس 1906 بين فرنسا وألمانيا حول المغرب
• وحتى عن الفنانة سارة برنارد وخيمتها الواسعة!

يقول سايكس بدهشة:

“وجدته يملك معرفة دقيقة بشؤون أوروبا، تصل إليه من مصادر عدة، إضافة لامتلاكه أعدادًا كبيرة من الجرائد التركية.” ثم اصطحبه إلى جناحه في خيمته الكبيرة، وكشف له رسالة سرية من الصدر الأعظم يأمر فيها بمراقبة سايكس بدقة، مما دلّ على عمق الثقة السلطانية به.

وفي لحظة مصارحة، قال إبراهيم باشا لمارك سايكس:

“كما دعمتم شيخ الكويت للاستقلال، فادعموني لأكون في الموقف ذاته. الكورد مستعدون للعمل معكم، وأنا مستعد للسفر إلى بريطانيا لعرض الأمر على الملك.”

كانت تلك كلمات أميرٍ يحلم بدولة كوردية مستقلة تحت ولائه للسلطان. كيف رآه سايكس؟

كتب عنه:

“كان إبراهيم باشا قائدًا بالفطرة، قوي الإرادة، يجمع صفات البارون الإقطاعي والمستبد الشرقي وزعيم الرحّل. وفي معسكره بين الخيام ترى أصداء تيمور وأتيلا، وفي صعوده ملامح العثمانيين الأوائل.” كان في شخصه قوة وضعف، حكمة واندفاع، صرامة وكرم.

رجلٌ من زمن كانت فيه الكلمة ترفع قبيلة والرمح يرسم حدود وطن.

خاتمة:

لم يكن الأمير إبراهيم باشا المللي مجرد شيخ قبيلة، بل قائد سياسي، ثريّ من طراز نادر، صاحب نفوذ اهتزت له الولايات، ورجلٌ وقف بين السلطان والغرب بطموحه في بناء كيان كوردي. حكم، تفاوض، قاتل، تحالف، وأحبّه الناس كما أحبّوه التاريخ. وحين رحل عام 1908، بقي اسمه حيًا في ذاكرة الجزيرة: ملكا لم يتوّج بتاج لأن الأرض نفسها كانت تحت امرته تاجه.

المصادر:
الصورة الجماعية اثناء زيارة السير مارك سايكس لامير ابراهيم باشا الملي في ويران شهر
١-كتاب ميراث الخلفية الاخير لمارك سايكس
٢-ابراهيم باشا وقبائل الملي لدكتور احمد عثمان بكر
٣- تاريخ البدو للبارون ماكس فون اوبنهايم

قد يعجبك ايضا