شعوبٌ تتصارع وأمّة تدفع الثمن

حسين موسى

منذ مطلع القرن العشرين وحتى القرن الحادي والعشرين، ظلّ الكورد وقودًا لصراعات القوى الإقليمية والدولية؛ شرقًا وغربًا، بين الفرس والعثمانيين أولًا، ثم بين الدول الحديثة التي قامت فوق جغرافية كوردستان. فمن معركة چالديران عام 1514 بين الصفويين والعثمانيين، وصولًا إلى حاضر اليوم، لم يخذل الكورد أي شعب تعاونوا معه، لكنهم في المقابل تلقّوا الخذلان في معظم المنعطفات التاريخية.

وبعد اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، وقف الكورد إلى جانب شعوب المنطقة في مراحل مختلفة: خلال صعود الثورة الإيرانية عام 1979، وفي عهد النظام الملكي العراقي (1921–1958)، ثم في بدايات الجمهورية العراقية بعد 1958. ورغم ذلك، تعرّضوا لسلسلة طويلة من الخيانات السياسية، كان ثمنها الدم والتهجير والاقتلاع الجماعي، خصوصًا خلال سياسات الأنفال في الثمانينيات (1987–1988).

وفي سوريا، وقف الكورد ضدّ الانتداب الفرنسي منذ عام 1920، وشارك قادة كورد في الحركات الوطنية، ومنهم من انخرط في ثورة إبراهيم هنانو (1920–1921)، إضافة إلى المناضل أحمد پاراڤي ودورهم في بناء الدولة السورية الناشئة. لكن تلك المساهمات لم تشفع لهم لاحقًا أمام سياسات البعث التي بدأت منذ 1963، وما تلاها من الحزام العربي عام 1973، والإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962، وصولًا إلى حرمان الهوية والحقوق الأساسية.

أما في تركيا، فبعد وعود عام 1921 التي نصّت على أن (الترك والكورد متساوون أمام القانون)، تنكّر مصطفى كمال أتاتورك لاحقًا لتلك الالتزامات بعد تأسيس الجمهورية عام 1923، لتبدأ مرحلة جديدة من المصادرة والقمع والصهر القومي، استمرت عقودًا طويلة.

وخلال الربيع العربي عام 2011، انقسم كورد سوريا بين المعارضة والنظام. اختار قسمٌ البقاء مع النظام، ووقف قسمٌ آخر مع المعارضة، لكن الطرفين خرجا دون مكاسب حقيقية، وبقيت حقوق الكورد معلّقة. ومع تشكيل حكومة جديدة بعد سقوط الأسد في 2024، ما تزال سياسة المماطلة قائمة، دون خطوات فعلية في ملفات الحزام العربي، أو الإحصاء، أو الاعتراف بالهوية، لكن اليوم مختلف عن الأمس.

لقد أدرك الكورد أن توحّدهم هو الطريق الوحيد لضمان مستقبلهم، وأن الظروف الموضوعية لتأسيس تحالف كوردي جامع باتت ناضجة أكثر من أي وقت مضى. لم يعودوا وقودًا لحروب الآخرين، ولن يسمحوا بتكرار تاريخ الاستغلال. بل سيكونون سندًا لبعضهم البعض، مؤمنين بأن حقوقهم المشروعة—التي حُرموا منها قرونًا طويلة—هي حق طبيعي ثابت، لا يقبل التنازل ولا المساومة.

قد يعجبك ايضا