البعد التفاؤلي في زيارة الرئيس بارزاني البوطانية

عبدالباسط سيدا

لقد شكّلت زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى جزيرة بوطان، للمشاركة في تكريم شاعرها وشاعر الكرد الأشهر سيداي جزيري، والكلمة القيّمة التي ألقاها أمام المجتمعين، وأوجز فيها بدقة ووضوح أهمية، بل واستثنائية موهبة سيداي جزيري وحكمته، كما بيّن من خلالها موقفه الداعم المعهود للعملية السلمية بين الحكومة التركية و عبدالله أوجلان، لقد شكّلت هذه الزيارة نقطة انعطاف إيجابية كبرى يمكن البناء عليها في حال وجود رغبة حقيقية لدى الطرفين للتوصل إلى حل عادل للقضية الكردية في تركيا. كما أعطت هذه الزيارة دفعة معنوية حيوية قوية للكرد في كل مكان. وأكدت مجّدداً أن وحدة الكرد كأمة هي حقيقة جليّة ملموسة؛ هذا رغم كل ما تعرّض له الكرد من ظلم واضطهاد نتيجة الصفقات الاستعمارية، وسياسات وممارسات الأنظمة التي تقاسمت بلاد الكرد في ما بينها، وذلك بناء على الاتفاقيات والمعاهدات الاستعمارية، وفي مقدمتها سايكس- بيكو وتوابعها، وصولاً إلى لوزان. 

والوحدة الكردية تتمثّل اليوم بأوضح صيغها في الجانب الثقافي بمعناه الواسع الذي يشمل الأدب والفنون والعادات واساليب المعيشة والطقوس الإجتماعية والتمنيات والتطلعات والسلوكيات. هذا فضلاً عن المشاعر والعواطف الحميمية الجيّاشة التي تهيمن على الناس حينما يشعرون أن الخطوة المتخذة هي تاريخية، تنمّ عن وجود رؤية، يمتلك صاحبها الخبرة والحكمة والمصداقية؛ وقد تحقق كل ذلك في الزيارة المعنية التي من شأنها، في حال صفاء النوايا، التأسيس لمرحلة جديدة إيجابية من العلاقات البنّاءة بين الشعبين الكردي والتركي.

فالخطوة الجريئة التي اُتخذت فتحت الآفاق أمام امكانية توثيق العلاقات في جميع الأماكن، والتفكير في مشروع تأسيس جامعة ثقافية كردية؛ جامعة يلتقي في رحابها المثقفون الكرد من جميع الأنحاء، ليتبادلوا الأفكار والخبرات والمعارف التي من شأنها الإسهام في تمتين العلاقات بين الكرد على أساس من الوعي المواكب للعصر وتحدّياته. ومن شأن هذه الجامعة في الوقت ذاته أن تنظّم الحوارات المفتوحة المفيدة المنتجة بين مثقفي شعوب المنطقة، لا سيما بين المثقفين الكرد والعرب والأتراك والفرس، لتكون أساساً لتفاهمات سياسية تؤدي في نهاية المطاف إلى معالجة القضايا الخلافية بحكمة واعتدال، وهذا مؤدّاه تمهيد الأرضية أمام شراكات اقتصادية تكون مفتاح نهضة منطقتنا التي تمتلك كل أسباب التقّدم والإزدهار.

وبهذه المناسبة لا بد أن نتوقف عند العملية السلمية الجارية حالياً في تركيا، وهي العملية التي انطلقت بعد خطوة السيد دولت بخچلي زعيم حزب الحركة القومية التركية في البرلمان التركي، وتجاوب السيد عبدالله أوجلان معها؛ هذا مع العلم أن تلك الخطوة لم ترتق إلى مستوى المبادرة السياسية المتكاملة المطلوبة لمعالجة القضية الكردية في تركيا معالجة جذرية عادلة مستحقة، تكون لمصحلة تركيا والكرد وفي صالح استقرار المنطقة بأسرها. ولكن مع ذلك تحوّلت تلك الخطوة إلى ما يشبه المبادرة بعد التجاوب الإيجابي معها من جانب الرئيس رجب طيب أردوغان، وبقية الأحزاب في البرلمان التركي؛ بالإضافة إلى تشجيع الأخوة في إقليم كردستان العراق، ودعم الرئيس بارزاني على وجه التحديد. 

ولكن التصريحات السلبية التي صدرت عن السيد بخچلي، بصدد زيارة الرئيس بارزاني لجزيرة بوطان، أكدت مجددا غياب تصور الحل العادل للقضية الكردية في تركيا لدى صاحبها؛ الذي يبدو أن هدفه الأساس كان يتمثّل في القيام بمناورة تكتيكية لتحقيق هدف يتناسب مع توجهه القوموي المتشدّد، وهو النهج الذي أثبت على مدى 100 عام عجزه واخفاقه في التأسيس لسلام مجتمعي في الداخل التركي، سلام ركيزته احترام الآخر المختلف، والاعتراف بحقوقه، وإقرارها بصورة دستورية على قاعدة وحدة الأرض والشعب. ومن دون مثل هذا الحل لن تستقر تركيا ولا المنطقة. والحل المطلوب هو الحل العادل للقضية الكردية في تركيا الذي لن يكون لصالح طرف على حساب الطرف الآخر، بل سيكون لصالح الجميع، وسيمكّن تركيا في خضم التحديات والصراعات الإقليمة والدولية من أداء دور إيجابي مميّز على صعيد المنطقة، وحتى على المستوى الدولي.

وفي موازاة ما تقدّم، هناك اليوم وضع جديد لم يكتمل تشكّله في سوريا بعد. وتستطيع تركيا أن تساهم في عملية بناء التفاهمات بين كرد سوريا والإدارة الجديدة في دمشق من خلال انفتاحها على كردها، وهو الأمر الذي سيشجع  (قسد) بصورة أفضل، ويدفع بها لتأكيد توجهاتها السورية إلى جانب القوى  الكردية السورية الأخرى، وهذا ما سيفعّل عملية التفاهم بين هذه القوى وإدارة الشرع، إذا ما التزمت هذه الأخيرة بالمبادى والقواعد المطلوبة لتحقيق التفاهم والتوافق المنشودين؛ و تركيا بقيادة الرئيس أردوغان في استطاعتها إنجاز الكثير في هذا المجال إذا توفّرت لديها الرغبة والإرادة.

وفي السياق ذاته، يمتلك إقليم كردستان، والرئيس بارزاني على وجه الأخص، امكانيات كبيرة من جهة الدور والموقع والمصداقية والرمزية، والعلاقات الإقليمية والدولية، للمشاركة في تطوير العملية السلمية في تركيا لتبلغ مآلاتها المرجوّة لصالح الجميع؛ والعمل في الوقت ذاته من أجل بلوغ الحوارات والمفاوضات بين الحكومة السورية وقسد والجانب الكردي بصورة عامة إلى نهايتها السعيدة.
الحوارات، والتفاهمات، والتوافقات هي المطلوبة في ظروف منطقتنا، إذا كنا نفكّر في مستقبل شعوبنا وأجيالنا المقبلة. أما إذا كانت المصالح الخاصة و نزعات الزعامة والعصبيات هي المتحكّمة، فهذا فحواه الاستمرار في دورة العنف وتبديد الطاقات والموارد والخراب التي أنهكت مجتمعات المنطقة ودولها على مدى قرن كامل. وهذا ما لا تتمنّاه سائر شعوب منطقتنا.

قد يعجبك ايضا