محمد علي محيي الدين
لم تزل مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع في بابل تمنح القارئ متعةً خالصة بما تقدّمه من إصدارات تتوزّع على حقول المعرفة كلها؛ من الشعر والسرد والرواية، إلى المذكرات والسير الشخصية، وصولًا إلى رحلات الأجانب في بلاد الرافدين وما كتبوه عن تاريخ العراق الحديث. وقد أتاحت هذه الإصدارات للقراء نافذة واسعة على الحياة العراقية في القرنين الماضيين، وعلى الصور التي التقطها الرحّالة لمجتمعٍ كان ينهض على حافة التبدّل، فكان لما أصدرته المؤسسة أثر واسع في نفوس القرّاء لما تنطوي عليه تلك الكتب من فائدة ومتعة ومعرفة.
ومن بين هذه الإصدارات يأتي ديوان الشاعرة الدكتورة سارة إبراهيم الربيعي الموسوم بـ «الأزهار في مخاضها»؛ عنوانٌ ينبض بالإيحاء، ويشي بما يحتويه الديوان من قصائد نثرية وومضات شعرية كتبت بروحٍ تغتسل باللغة وتبحث عن منافذها الخاصة في التعبير. يضم الديوان ثلاثاً وثلاثين قصيدة تتجاور فيها انفعالات الذات وتجلّياتها، وتنهض على رؤية شعرية تتكئ على الحسّ والحلم معًا. وفي صدِارة الديوان إهداءٌ شفيف ينطق برمزٍ لا تخفى دلالته:
(S90 كتبتُك جيلًا من ورق… فكانت الأبجدية خير دليل).
ويوحي هذا الإهداء بانتماء الشاعرة إلى جيل التسعينيات، ذلك الجيل الذي حمل في داخله مرارات المرحلة وتقلباتها وندوبها الخفية، فانعكس ذلك على رؤيته للعالم وعلى مزاجه الشعري، وعلى ما تختزنه ذاكرته من صورٍ ومشاعر.

وتبدو عناوين القصائد ذاتها امتدادًا لروح هذا الجيل؛ فهي عناوين تومئ أكثر مما تصرح، وتفتح الباب أمام قارئ يبحث بين الكلمات عن ظلّ التجربة. وفي قصيدتها «العَقلُ فِكرَةٌ» تتبدّى الشاعرة في أصدق تجلياتها، إذ تجعل من العقل كيانًا حيًا يتنفس داخل النص، وتحوّل الفكرة إلى غرفةٍ لها جدران وأثاث وعطر خاص. تقول:
منذ ولادتي وعقلي له بطينان
بطينٌ أسماه أبي – حُلمًا –
والآخرُ أسمَيتهُ أنا خاطرةً
منذُ ولادَتي والفكرةُ في جَسَدِي لها مَنزِلٌ
جدرانُهُ أُقحُوانيَّةُ اللَون
وأرضُهُ يفتَرِشُها العِلمُ
مقاعدُ مَجلسِنا مَساندُها محابرٌ وأقلامُ
المعرفَةُ جالسةٌ على كُرسيِّ المعيشَةِ تأكُلُ الفَهمَ
الوسائدُ في منزلِنا تغفُو على الراحَةِ
والستائرُ خُيِّطتْ بقماشٍ من الأَمن
خجولٌ لدينا فانوسُ الجَهلِ
كلّما تكلّم
وبَّختُهُ أنا بنَفخَةِ تَرتيلَةٍ
ينفتح النص هنا على عالم رمزي متكامل؛ فالعقل ليس مفهوماً مجرّدًا، بل كائن يولد ويكبر ويشيخ، له بطينان: أحدهما ورثته من الأب، حلمٌ ضاربٌ في الجذور، والآخر خاطرةٌ نسجتها هي لنفسها. وبين الحلم والخاطرة ينشأ بيتٌ تتجسد فيه الفكرة ككائن يملك أثاثه الخاص: جدران أقحوانية، وأرضٌ منبسطة بالعلم، ومقاعد تتكئ على المحابر والأقلام، فيما تجلس المعرفة في قلب المشهد، تأكل الفهم وتغذّيه في آن معًا.
بهذا النسق التصويري تخلق الشاعرة عالماً يتصالح فيه الحلم مع العقل، ويغدو الجهل فانوسًا خجولًا لا يجرؤ على الإضاءة، لأن نفخةً واحدة من ترتيلة وعي كفيلة بأن تطفئه. إننا إزاء قصيدة تجعل من الفكرة بيتًا ومن العلم أثاثًا، ومن المعرفة ضيفًا مكرّمًا، ومن الجهل دخانًا خفيفًا يتبدّد بمجرّد أن تتنفس الروح.
او قصيدتها فَضفضَةٌ معَ النَفسِ التي تقول فيها:
في عُزلَةِ الفاهِمِ والمَفهُومِ
حيثُ لا شَيءَ مَعِي سوى نَفسِي
عَقَدتُ اجتماعاً معَ ذاتي
بَوّختُ عَقلي، ومازَحت قَلبِي
وأشعَلتُ بالنيران لساني
جادَلتُ فكري بالمَعقُول
وعزمتُ على جِلِدِه بساطُور الصَمتِ
سَجَنتُ فكرَةَ القَلقِ مُؤبَّداً
وأعدمتُ بالسُمِّ أكاذِيبَ البَشَر
في هذا المقطع تبني الشاعرة مشهدًا داخليًا خالصًا، تتجرد فيه من العالم وتدخل في عزلةٍ تتواجه فيها مع ذاتها وجهاً لوجه. إنها لحظة محاسبة وبوح، حيث يصبح العقل طرفاً في خصومة، والنفس شريكًا في المزاح، واللسان نارًا تُشعل لتضيء مكامن الغموض. الحوار الداخلي هنا يأخذ شكل محكمة تُستدعى فيها الفكرة والقلق والأكاذيب للمساءلة؛ فالفكر يُجادَل بالمنطق، والقلق يُسجَن، وأكاذيب البشر تُعدَم بالسم، في إشارة إلى رغبة جذرية في تطهير الذات من شوائب الخوف ومن تلوثات العالم الخارجي.
إنها لحظة استعادة السيطرة على الداخل، تُصوّرها الشاعرة بسخرية مرة وقسوة واعية، لتؤكد أنّ خلاص الإنسان يبدأ من حوار صريح مع نفسه، ومن شجاعة مواجهة ما يثقل قلبه ويعكر صفاء روحه.
او قصيدتها ( الحقيقة فوق مدينة الشك) التي جاء فيها:
الشِتاءُ مَلكٌ وكُلُّ الفُصُولِ توابعُ
أنتَ علَّمتَني دِفءَ الاشتِعالِ
مبخَرةُ غَيمتِكَ أخجَلتني
بطَعمِ الكَرزِ نَثَرتْ هُتافاتِ الضَبابِ
في هذا المقطع تخلق الشاعرة مفارقة شعرية بين قسوة الشتاء ودفء التجربة العاطفية. تصفه بأنه ملك الفصول، لكنه رغم سلطته وسطوته يصبح تابعًا أمام حرارة من تعلّم منها “دفء الاشتعال”. يتحوّل الغيم هنا إلى مبخرة تعبق بعطرٍ يورث الخجل، وكأن المحبوبة/المحبوب يضفي على العالم نبلًا وشفافية تتجاوز برودة الفصل. أما “هتافات الضباب” التي تُنثر بطعم الكرز، فهي صورة تجمع بين اللذة والغياب، بين الحلاوة وتلاشي الرؤية، في إشارة إلى حبّ يكتنفه الغموض لكنه يظلّ مُسكرًا بالحضور الحسي.
إنه مقطع يقوم على ترويض الشتاء لا مواجهته، وعلى تحويل القسوة إلى نعومة بفضل حرارة الشعور.
او قولها في قصيدة (الدينارُ المجَندُ تَاجهُ):
صنعتُ سيوفاً من رَحِم القَصائدِ
تَوجَتُها مَمالكَ للنساءِ
مسدودةٌ أبوابُ الجُوِع بحَفنةٍ مِن الشِعر
كُلُّ حَرفٍ آمِنٍ في غَمِدِ سَيفِهِ
رأيتُ نِسريّنَ حَلقا فَوقَ دَفاتِري
نَثَرا شَظايا الحَظّ فَوقَ رَأسِكَ
في هذا المقطع تمنح الشاعرة للكلمة قوةً وسلطانًا يصعد بها إلى مرتبة السيف. فالقصائد تتحوّل إلى أسلحة تولد من رحم اللغة، وتعتليها ممالك النساء في دلالة على قوة الصوت الأنثوي وقدرته على صنع عالمٍ لا يجوع ما دامت اللغة مؤونة روحه. كل حرف يسكن غمد سيفه، آمنًا بما يملك من حدّة وفاعلية، فيما تحلق “نسرين” فوق الدفاتر.