ذكريات أيام الدراسة والزراعة

د . ياسين الزيباري

انحباس المطر وهطوله بين ( 1969) و ( 2025 م ):

يشهد العالم في السنوات الأخيرة ، انحباسا شديدا في الإمطار ، وحل الجفاف في كثير من أنحاء العالم ، وبدأت معارك المياه بين الدول، هذه تبني سدود وتحرم الأخرى من المياه ، وهذه توقف المياه عن جيرانها، بحجج مفتعلة ، للضغط على الجارة بتصدير مزرعاتها إلى المناطق الجافة، وفــجأة نرى فيضانا يحدث هنا وهناك فيدمر السدود، والقرى والمدن، ويخلف ملايين الضحايا، بين قتيل وجريح ومشرد.

ويشهد العالم جفافا، ونحن نكتب هذه الأسطر في ( 5/ 12/ 2025 م ) ننتظر المطر الذي يستطيع الفلاح أن يقوم بزراعة الحبوب الديمية، وباللغة الكوردية تسمى ( بارانا پەلێ ) ، وهي التي تشبع الأرض بالمياه ، لتكون قادرة على نمو البذور، و علما، شهدنا سنوات أن الفلاح كان يبذر البذور في ( 1-10 ) من السنة ، فيا ترى ماهي الأسباب عن انحباس الأمطار، وتوقف الإمطار؟! قسم يوعزه إلى التطرف الجوي، وقسم يوعزه إلى الإبتعاد عن الله فيقومون بصلوات الاستسقاء ولا ينزل المطر ، ورأي، ورأي..

وما اريد ان أقوله هنا: ذكريات مع المطر ونحن في الصغر ، كنت صغيرا ً وقد حدث فيضان في مدينة الموصل ما بعد عام (1963) بالضبـط لا أعلم ، حتى غرقت محلة الفيـصلية ووصلت المياه إلى دورة النبي يونس، (عليه السلام) واصطحبني خالي لنرى المياه التي وصلت إلى تلك الدورة فكانت هناك تلة غير مرتفعة كثيرا، ممتدة، لعدة كيلومترات، ووقفنا عليها كانت حاجزا ً لعبور المياه إلى المناطق الأخرى ، هذه حالة.

وحالة أخرى شهدتها ولم أدرسها في كتاب ولم أسمعها من أحد ، في عام ( 1969 م) كنت طالبا ً في الصف الخامس الابتدائي، كنا ندرس في مدينة عقرة، ونعود إلى القرية ( أومرسينان ) أيام العطل، والتي تقع جنوب غرب المدينة بنحو عشرين كيلومترا، لأن القرية لم تكن فيها مدرسة ابتدائية، ولقد هطلت أمطار لعد أشهر متواصلة، لم نر فيها الشمس إلا ّ نادرا، ولم تكن السيارات حتى ( لاندروفر ) وكانت تسمى ( جيب ) لم تستطع عبور الشارع الطيني، لأن القرية كانت تبعد عن الشارع المبـلـّـط بعدة كيلومترات، مما دفع بنا ونحن مجموعة من الطلاب، من العوائل المعينة، أن نستأجر (دلكتر) متصلا ً بها العربة الخاصة بنقل المواد والحشائش، وأتذكر من الطلاب (كردو ، والأستاذ الدكتور جوهر، والبروفيسور العالمي غازي، والقائد شوكت، من عائلة بابكر الزيباري) وغيرهم الذين لا أتذكرهم، وقد خانتني الذاكرة، وكلهم أصبحوا مشاهير على مستوى العالم، في مختلف الاختصاصات.

و نحن هؤلاء صعدنا على العربة، وهطل المطر علينا مرة ثانية ، ومن المناظر التي لا تفارق ذاكرتي أننا كنا مستأنسين لا نعير أهمية للمطر، وتتأرجح بنا المركبة لشدة رخوة الأرض بسبب الأمطار الغــزيرة، ونحن على هذه الحال نرى رجلا يمشي يقصد القرية، وقد نزع مركوبيه، ورفع سرواله إلى ما فوق الركبة، والمطر يهطل عليه، وكلـّـما داس برجله نزلت في الطين نحو ربع مـتـر، ثم يخرجها بالقوة، ويدخل الأخرى وهكذا بكل قوة يدوس بواحدة ويرفع الأخرى ونحن على حالـنا التي فيها نرأف به، ونقول قد يأتي إليه الذئب ولا يستطيع الهرب، وهكذا مرت بنا المركبة حتى وصلنا إلى الشارع العام المبلط الذي يتجه نحو عقرة.

نزلنا منها، وبدأنا ننتظر سيارة توصلنا إلى عقرة، فأتت سيارة جيب لاندروفر، وركبنا فيها وكانت مغطاة بغطاء من الأطراف الثلاثة، ومفتوحة من جانب النزول، ونحن علينا ثياب مبللة وتضربنا الرياح، حتى وصلنا المدينة، ونحن نرتجف من البرد، وفي اليوم الثاني ذهبنا إلى المدرسة بكل سرور وفرح، وهكذا درسنا وتعـلـَّـمنا وتخرّجـنا، وتحمـّـلـنا الجوع، والبرد، والحر، والعطش، والغربة.

ومن ناحية أخرى نعود إلى الأمطار في تلك السنة، أدت تلك الأمطار إلى أن تكون أفضل سنة زراعية حديثة لم تشهد المنطقة مثيلا لها من حيث التنوع الزراعي، حيث نبعت العيون وازدادت مياه الآبار، وجرت الأنهر التي لم يشهدها أحد من قبل في المنطقة ، وازدهرت السباحة، حيث كانت معظم القرى تعتمد على الآبار في السقي، ولم تــر الأنهر، وربما كان بعض أهل القرى يقطعون مسافات بعيدة لأكثر من ساعة لكي يحصلوا على الماء وينـقـلونها إلى قراهم على الدواب، بواسطة القناني الفافونية، وبدأت زراعة الشلب في المنطقة، حيث قام بها والدي، وبعض من أقربائنا.

وفي قرية روفيا التي أصبحت الآن ناحية، وكان النهر يجري غربي تلـّة روفـيا وبدأت الزراعة حول التلة لعدة كيلومترات، ومن الحالات النادرة لهذه الزراعة البركة حيث أنـتجت نسبة ( 300% ) ، وكذلك بدأت زراعة الماش، والسمسم، وغير ذلك من مختلف المزروعات ، في الوقت الذي كان الناس يستسقون من بئر واحد في قرية روفيا بواسطة الدلو، والسـَّـقــّـاء، وليس التدفق الذاتي، حيث لم تكن الكهرباء موجودة في المنطقة، وفي سنة ( 1975م ) حفرت الحكومة مئات الآبار الإرتوازية على نفقتها الخاصة، في مختلف القرى في المنطقة، وازدهرت الزراعة المتنوعة الصيفية والشتوية، بشكل عالمي متطور.

قد يعجبك ايضا