مع قيثارة السماء

إبراهيم خليل إبراهيم

الفنانة اللبنانية نهاد الشهيرة بفيروز شكلت مع الأخوين رحباني وهما عاصي ومنصور الرحباني ظاهرة فنية قلما تتكرر وقد أطلقت على الفنانة فيروز لقب (صوت المثقفين) وأيضا (قيثارة السماء) وتضمنت موسوعتي الفنية (أغنيات وحكايات) كواليس ومعلومات العديد من أغنياتها.

تقول الفنانة فيروز: ((أمنيتي كانت أن أغني في الإذاعة وقد أخبروني أنني سوف أتقاضى مبلغ ١٠٠ ليرة في الشهر وكانت فرحتي لا توصف لكن في نهاية الشهر لم أكن محظوظة كفاية لأن أشبع عيني برؤية الورقة من فئة المئة ليرة بسبب خصم الضريبة وكانت أقبض ٩٥ ليرة فقط بعد اقتطاع الضريبة واستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تمكنت من الحصول على ورقة كاملة من فئة المئة ليرة وكان هذا راتبي الأول وأنفق منه في شراء حاجيات لي ولأشقائي لأعوضهم من الحرمان المادي الذي عاشوه طوال حياتهم )).

أولى أغانيات الفيروز الخاصة كانت من ألحان الموسيقار حليم الرومي وكلمات الشاعر ميشيل عوض هى أغنية تركت قلبي وطاوعت حبك. عند التحضير لبث الأغنية على الهواء مباشرة اقترح حليم الرومي أن تحمل نهاد أحد اسمين كان قد اختارهما لها وهما شهرزاد وفيروز وفي البداية لم تأخذ الأمر على محمل الجد لكن أخيراً عملت بنصيحته واختارت اسم فيروز.

بثت الأغنية في أول أبريل عام ١٩٥٠ ثم كانت الأغنية الثانية باللهجة المصرية والأغنية الثالثة هى عاشق الورد وغنتها مع حليم الروميكثنائي وتلا ذلك أغنيتي يا حمام وأحبك مهما أشوف منك وقد تم التسويق لهما تجارياً عام ١٩٥٢ ثم تبع ذلك العديد من الأغاني القصيرة الخفيفة المتنوعة خاصة تلك التي اختيرت من قبل حليم الرومي في محاولة منه لتجنب حصر فيروز في نمط غنائي واحد. عام ١٩٥١ غنت الفنانة فيروز أغنيات من ألحان الرومي ومدحت عاصم ونقولا المني وسليم الحلو ومحمد محسن وتوفيق الباشا وخالد أبو النصر وغيرهم.

كان حليم الرومي متحمساً جداً للموهبة التي اكتشفها لكنه كان كثير الانشغال لأن يعطيها ما تستحق لذلك اقترح أن يقدم فيروز لعاصي الرحباني عازف الكمان والملحن الطموح في الإذاعة اللبنانية وكان رأيها المبدئي أنها لا تود التكلم مع عاصي إذ أنها لم تكن تتوقع الكثير من هذا اللقاء لكنه نجح في أن يغير رأيها.

عاصي من جهته كان رأيه الأولي أن صوت فيروز مناسب لغناء الأغاني الشرقية فقط وليس مناسباً للأغاني العصرية والتي كان مهتماً بها فاحتج حليم الرومي وقال : ((إن صوت فيروز غير محدود الإمكانيات فهو قادر على أداء الأغاني الحديثة كما الأغاني الفلكلورية وهذا ما سوف تثبته الأيام المقبلة وسيشهد المستقبل على أنه أكثر صوت في العالم قادر على غناء الموسيقى العصرية )).

وقد تحققت نبوءته وكانت أول أغنية غنتها لعاصي لما ولمياء وهى ثنائية غنائية بالاشتراك مع مغنية تدعى حنان أما أول أغنية خاصة لحنها عاصي لفيروز فكانت غروب شعر قبلان مكرزل ثم جاءت أغنية شكلت علامة فارقة في تاريخهما الفني والتي تعتبر فاتحة الاحتراف وهى أغنية عتاب وحققت شهرة كبيرة ومن أسباب نجاحها تجهيزات إذاعة دمشق المتميزة حيث سجلت الأغنية هناك يوم ١٢ نوفمبر عام ١٩٥٢ ثم طبعت على اسطوانة في باريس العاصمة الفرنسبة أغنيتهما الرابعة راجعة ثم عدة أغان أخرى وتبع تلك المرحلة المبكرة انضمام منصور الرحباني الشقيق الأصغر لعاصي إليهما ليشكلوا الثلاثي الرحباني تاريخاً متميزا وفي البداية انصبت جهودهم بشكل رئيسي في صياغة الألحان الخفيفة الراقصة وفي ذلك الوقت كانت بيروت تستقطب الفرق الفنية الكبيرة القادمة من وراء البحار لتعزف التانجو والرومبا لشريحة واسعة ذات الأهواء الغربية في بيروت العاصمة اللبنانية.

أثناء التسجيل في استوديوهات إذاعة الشرق الأدنى اقترح صبري الشريف مدير قسم الموسيقي فيها أن يتم تنفيذ تجربة غير مسبوقة في الموسيقى الشرقية وهي أن تغني فيروز مع أوركسترا بيانكو ألحاناً وضعت في الأصل لرقصات وفي ذلك الوقت كانت برامج الإذاعة تبث على الهواء مباشرة دون أن تسجل.

كان عاصي ينتظر مع فيروز دورهما في دخول الاستديو تحت شجرة قرب بركة ماء في الفناء الخلفي للاستوديو وكانت الدردشة لمضي الوقت وأحياناً أخرى كانت فيروز تطلق العنان لأحلامها ولم تكن تتوقع مستقبلاً باهراً لنفسها كمطربة فقد كان حلمها الحقيقي أن تصبح معلمة وقد صرحت في مناسبات عديدة بأنها لن تتزوج في حياتها أبداً.

فيروز نشأت في عائلة تقية أقرب إلى الزهد في أخلاقها واحتمالها وكانت مثالية بالمقارنة مع الفتيات اللبنانيات من عمرها وذات مرة أخبرت فيروز وبشكل عابر عاصي أنها لم تستسغ الطريقة التي اهتم فيها بإحدى الفتيات في المحطة ولكن في ربيع عام ١٩٥٤ وبينما كانا يتمرنان سويا على حافة نفس البركة وتحت نفس الشجرة كرر عاصي عرضاً كان قد عرضه سابقاً للزواج وهذه المرة ردّت فيروز بالإيجاب وتم الزواج يوم 23 نوفمبر عام 1955 وكان الحفل في فندق مسابكي ثم غادرا إلى القاهرة العاصمة المصرية.

هذا الزواج الذي كان أحد ثماره المبدع زياد وهَالي وليالْ وريما إضافة لكنز فريد في هذا الكون.. أسطورة فنيّة صعب أن تتكرر.

قد يعجبك ايضا