أ.د. خليل مصطفى عثمان
استاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر
شهدت الثقافة الكوردية في العقود الأخيرة نهضة واضحة في الجانب اللغوي والأدبي، وقد جاء هذا التحوّل مدفوعاً برؤية ثقافية وسياسية صلبة وضع أسسها القائد مسعود البارزاني. لم يكن هذا الاهتمام منعزلاً عن مسار سياسي، بل كان جزءاً من مشروع وطني يتعامل مع الهوية اللغوية والأدبية بوصفها جوهر الوجود الكوردي. وتبرز مشاركة الرئيس في منتدى ملا جزيري في جزيرة بوتان كواحدة من العلامات الفارقة التي عكست هذا الاهتمام بصورة جلية.
منذ بدايات تجربته السياسية، شدد الرئيس البارزاني على أن اللغة الكوردية تمثل حجر الأساس في بناء الأمة، وأن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية. وعليه:
دعمت قيادة الرئيس تطوير مناهج اللغة الكوردية وترسيخها في التعليم.
شجعت المؤسسات الثقافية على تحقيق المخطوطات التراثية وإعادة نشر كلاسيكيات الأدب.
هذه الرؤية جعلت من اللغة عامل توحيد بين الأجيال الكوردية، وأساساً للنهوض الثقافي الذي شهدته السنوات الماضية.
تمثل مشاركة الرئيس مسعود البارزاني في منتدى ملا جزيري في موطن الشاعر الصوفي الكبير، جزيرة بوتان، لحظة ثقافية–تاريخية ذات أبعاد متعددة:
إحياء للروح الجزيرية:
جزيري ليس مجرد شاعر؛ إنه أحد أهم أركان التصوّف الأدبي الكوردي، وركيزة من ركائز الهوية الروحية للشعب الكوردي. حضور الرئيس في المنتدى أكد اعتراف القيادة السياسية بأهمية هذا التراث.
رسالة سياسية وثقافية:
إن زيارة بوتان والوقوف على إرث الجزيري حملت رسالة مفادها أن الثقافة الكوردية واحدة، تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية وتنهل من إرث روحي مشترك.
تشجيع المؤسسات الثقافية:
المشاركة دفعت إلى مزيد من الجهود لتعزيز النشاطات الأدبية، وإطلاق برامج لدراسة التراث الجزيري أكاديمياً وفنياً.
وقد شهد المنتدى لحظات أثّرت في وجدان المثقفين، خصوصاً عندما تحدث الرئيس عن علاقة الكورد بالروح والجبل والشعر، رابطاً شخصية ملا جزيري بتاريخ الصمود والسمو الكوردي.
لم يكن اهتمام الرئيس بملا الجزيري اهتماماً عابراً أو بروتوكولياً؛ بل حملت تصريحاته ومشاركاته في المحافل الثقافية مؤشرات واضحة على تقديره العميق لشعر الجزيري وفلسفته. فقد ركز على:
قيمة الشعر الصوفي الكوردي في تعزيز الهوية الروحية.
الدور التربوي للنص الجزيري الذي يربط الإنسان بالأخلاق والحكمة والجمال.
جمالية اللغة الكوردية كما تجسدت في قصائد الجزيري ذات البُعد الفلسفي والوجداني.
ويؤكد مقربون من الوسط الثقافي أن البارزاني كثيراً ما يستشهد ببيت شعر أو حكمة جزيرية، ما يعكس حضور الأدب الكلاسيكي في فكره.
بعد هذه المشاركة البارزة، شهدت الساحة الثقافية تحولاً ملحوظاً:
زيادة ملحوظة في الإقبال على دراسة شعر ملا جزيري أكاديمياً في الجامعات.
اهتمام الأدباء والباحثين بتحقيق الدواوين الجزيرية ومقارنتها بالنصوص الصوفية العالمية.
توجه العديد من المغنين والملحنين إلى البحث عن قصائد جزيرية قديمة وإعادة تقديمها بألحان حديثة، ما أعاد الروح الكلاسيكية إلى الأغنية الكردية.
لقد أصبحت القصيدة الكلاسيكية جزءاً من المشهد الفني، وبرزت موجة جديدة من الأعمال التي تستلهم روح الجزيري وخاني وجكرخوين.
وقد تجلّت نتائج هذا الدعم في ثلاثة مستويات:
تحوّل ثقافي مؤسسي أعاد الاعتبار للتراث الكوردي المكتوب.
إحياء الوجدان الشعبي عبر إعادة ربط الشباب بالقصيدة الكلاسيكية.
تشكيل حركة فنية جديدة تمزج الشعر الكلاسيكي بالموسيقى الكوردية المعاصرة.
هكذا، أصبح الأدب الكلاسيكي ليس مجرد تراث محفوظ، بل ركيزة حية تؤثر في الفن والفكر والهوية.
إن الدور الذي لعبه الرئيس مسعود البارزاني في دعم اللغة الكوردية وإحياء التراث الجزيري يؤكد أن الثقافة في مشروعه ليست هامشاً، بل جوهراً. لقد ساهمت رؤيته في دفع الأدباء والباحثين والمغنين نحو العودة إلى النصوص الكلاسيكية، واكتشاف عمق الهوية الكوردية وجمالها من جديد.
ومع تزايد هذا الزخم الثقافي، يبدو واضحاً أن إرث ملا جزيري وأحمد خاني وغيرهما من عمالقة الأدب الكوردي يعيش نهضة جديدة، تُعيد للكورد روحهم وذاكرتهم وحنينهم الأول.
في المحصلة، أثبت الرئيس مسعود البارزاني أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالسياسة وحدها، بل بقدرتها على صون الهوية وإحياء روح الأمة. لقد أعاد للغة الكوردية مكانتها، وللأدب الكلاسيكي هيبته، ولإرث ملا جزيري حياته المتجددة في الوجدان الشعبي. وبفضل رؤيته الثقافية العميقة، دخلت الساحة الكوردية مرحلة نهضة حقيقية تربط الماضي بالمستقبل. وهكذا يظل البارزاني قائداً يصنع الثقافة كما يصنع السياسة، ويمنح للأمة ما تستحقه من رفعة واعتزاز.