د . صباح ايليا القس
الحِلم هو العقل كما جاء في المعاجم العربية وهو الأناة أيضا والحليم هو العاقل المدبّر وهو الصبور على المكاره ، وللحليم منزلة بين القوم والبلوغ يعني تجاوز مرحلة المراهقة والشباب الى مقامات الرجال الذين يأخذون مواقعهم في الصفوف االمتقدمة عند قومهم ولهم او اليهم يحتكم الناس في نزاعاتهم لانهم يتصفون بالخبرة والتجربة بعيدا عن الحمق والتسرع والطيش والانفعال ، ولكل قوم او قبيلة من يُعرف بهذه الصفات فاذا لم يجدوه طاروا واحتكموا عند رجل شاعت خبرته وتجاربه بين الاقوام ..
العرب سابقا كانوا يعيشون بوصفهم جماعات قبلية منغلقة تنفتح احيانا على من يجاورها من القبائل الاخرى مستفيدين من بئر ماء مشترك او واحة نخل او مساحة رعي ويجوز ان تحدث صراعات وتجاوزات بسبب غضب سريع فتنشأ الاصطدامات اولا ثم المعارك والمنازعات والغزوات ثانيا ولكي يستقر الامر وتعود المياه الى مجاريها لا بدّ من تدخل العقل والمنطق الذي يمثله اصحاب الحلوم من العقلاء .
الحلم والعقل هنا هو مفتاح الصلح وتقليل الخسائر وفك الازمات ووقف الدماء ولا يكون هذا إلا عند الحليم العاقل الذي يرتضي الطرفان بحكمه لما شاع عنه من صفات يرتضيها الجانبان بهدوء وراحة بال .
يشتمل الحليم على قيمة اجتماعية يعرفها الجميع وهي ليست واحدة بل هي مجموعة صفات اعتادها المجتمع العربي مثل الكرم والشجاعة والوفاء والصدق ومساعدة الاخرين .
هذه الصفات ليست مكتوبة في صحيفة تعرفها انما هي حصيلة مواقف سجلها الشعر العربي ووثقها وبالتأكيد لا نستطيع أن نقف عندها جميعا ولكن سنسجل ما يحتمله المقال .
يقول خفاف بن ندبة :
وأُكرم نفسي عن امور دنيئـــــــة أصون بها عِرضي وآسو بها كلمي
وأصفح عمَّن لو أشاء جزيته فيمنعني رشدي ويدركني حلمـــــــــــــــي
من المؤسف أن يكون الحلم الطويل دليل ضعف وذل حين يفسر هذا الامر من به قصر نظر وقد عالج الشاعر القند الزماني هذا الامر فقال :
صفحنا عن بني ذهــــــــــــــــــــل وقلنا القوم اخـــــــــــــــــــــــــــــــــوان
فلما صـــــــــــــــــــــرح الشــــــــــرُّ فأمسى وهو عريــــــــــــــــــــــــــــــــان
ولم يبقَ سوى العدوان فدنّاهــــــــــــــــــــــــــــم كما دانــــــــــــــــــــوا
بمعنى اننا صفحنا عن القوم المعتدين وظنوا اننا ضعفاء الى ان إنكشفت الامور فعاديناهم كما عادونا .
ومن اجمل ما قرأت ما جاء في معلقة زهير بن أبي سلمى التي يسرد فيها ما قام به الحارث بن عوف وهرم بن سنان في ايقاف حرب داحس والغبراء .. هذان العاقلان اوقفا حربا دامت اربعين سنة فاي حِلم وعقل ومال وشرف يحملان ؟
وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتموا وما هو عنها بالحديث المرجّم
ومطلع المعلقة يقول :
أمن ام أوفى دمنة لم تكلّمِ بحومانة الدرّاج فالمتلثم