متابعة ـ التآخي
لأسبوعين على التوالي، تزدحم السحب الدخانية الملوثة في سماء العاصمة العراقية بغداد، في أزمة بيئية متفاقمة، تؤشر إلى زيادة التلوث الناجم عن حرق النفايات ومصانع التدوير غير القانونية المحيطة بالعاصمة، وبرغم إجراءات وتوجيهات الحكومة وإغلاق مواقع ومصادر الملوثات إلا أن التلوث لم ينته.
وينتشر الدخان الملوث في الشوارع والأزقة بشكل ملحوظ ويحجب الرؤية لمسافات معينة، مع انتشار رائحة الكبريت بشكل واسع، بسبب حرق النفايات بطرق لا تراعي السلامة الصحية والبيئية، فيما يزداد قلق النشطاء في المجال البيئي من انتشار الأمراض، ومحاولات المتجاوزين الاحتيال والتجاوز على الإجراءات الحكومية، وعودة العمل في المعامل المتجاوزة التي غالبا ما تقع بالقرب من المناطق السكنية أو على أطراف المدن، إلا أن حركة الرياح تؤدي إلى وصول التلوث إلى مراكز المدن.
وأعلنت السلطات الأمنية في بغداد، إغلاق أكثر من 270 منشأة مخالِفة للضوابط البيئية بهدف الحد من التلوث في العاصمة. وذكرت في بيان، أنها “أعلنت حصيلة إغلاق معامل وكور صهر المعادن ومواقع الحرق العشوائي المخالِفة للضوابط والشروط البيئية والصحية، وذلك بالتنسيق مع وزارة البيئة في جانبي الكرخ والرصافة. وجرى إغلاق 201 كورة صهر معادن و 72 معملا لإنتاج الطابوق والإسفلت، فضلا عن إزالة عدد كبير من مواقع الحرق العشوائي، وذلك ضمن أعمال لجنة الأمر الديواني 241285″.
كما أعلنت وزارة الداخلية رفع 380 دعوى قضائية ضد الأنشطة المخالفة للبيئة، في إطار مواجهة المتجاوزين على الصحة والبيئة. وأكد رئيس دائرة العلاقات والإعلام في الوزارة مقداد ميري في مؤتمر صحفي “وجود توجه حكومي واضح لمعالجة ملف البيئة وتعزيز إجراءات الحماية”، مبينا أن “الإجراءات القانونية صارمة ضد الأنشطة المخالفة للبيئة، سواء في القطاعين الخاص أو الحكومي، وتعرض أمام القضاء، وقد تم تبليغ 620 أمر إنذار صادر من وزارة البيئة للأنشطة المخالفة للمحددات البيئية”. وبحسب ميري، فإن “الإجراءات شملت غلق عدد من معامل الطابوق المخالفة لمستويات تلوث الهواء، وإزالة كور صهر بدائية غير صالحة وبدون موافقات رسمية، بالإضافة إلى غلق معامل أسفلت وكونكريت جاهزة ملوثة للهواء، ورصد مولدات حكومية وأهلية مخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع مديريات البيئة”.
من جهة أخرى يقول وزير البيئة في العراق، هه لو العسكري، أن وزارته “اعتمدت مواقف وقرارات حازمة للحد من تكرار تلوث الهواء في بغداد ومنها صدور قرار أمني مهم يقضي بغلق منافذ ومداخل معسكر الرشيد بالكامل؛ بهدف منع دخول عجلات محمّلة بالنفايات والأنقاض، ووضع حد للتجاوزات التي يقوم بها بعض الأفراد عبر حرق مئات الأطنان من النفايات المتراكمة، وهي مخالفات تحدث منذ سنوات طويلة، مما يرفع مستويات تلوث الهواء في العاصمة بشكل خطير”، موضحا في بيان، أن “قرار غلق منافذ معسكر الرشيد يُعد جزءا من حزمة حلول شاملة وضعتها الوزارة لمعالجة مصادر التلوث”، مضيفا أن “عددا من أنشطة مؤسسات القطاع العام مثل: وزارة النفط، وزارة الكهرباء، وزارة الصناعة، أمانة بغداد، والدوائر البلدية، لا تزال تشكل مخالفات بيئية واضحة وتعد أحد أبرز مكامن الخلل في تلوث هواء العاصمة”.
ويضيف، أن “استمرار الأنشطة المخالفة التابعة للقطاع الخاص في محيط العاصمة، إضافة إلى حالات التراخي من بعض القوات الأمنية الماسكة للأرض والدوائر البلدية المسؤولة عن رقابة المواقع الجغرافية للأنشطة الملوِّثة، يؤدي إلى عودة هذه الظواهر بين فترة وأخرى، رغم جهود الوزارة المكثفة في المتابعة والإنذار والمعالجة”.
في المقابل يشير عضو مرصد “العراق الأخضر” المعني بشؤون البيئة عمر عبد اللطيف، إلى أن “الأجهزة الحكومية سبق وأن أغلقت مصادر الملوثات، لكن عادة ما تعود هذه المواقع والمنشآت بفعل العلاقات أو الرشاوى التي تُقدم لجماعات أو أشخاص”، عادا أن “إغلاق مئات المواقع لا يؤدي إلى تحسن الواقع البيئي، لأن العاصمة بغداد تحتوي على عشرة آلاف نشاط صناعي ملوّث للبيئة، بالتالي فإن هناك حاجة إلى قوانين تردع المتجاوزين أكثر من الحاجة لحملات الإغلاق التي قد لا تحقق نجاحا كبيرا”.
وفي وقتٍ سابق، قال الناطق باسم وزارة البيئة، لؤي المختار، إن “هناك مواد واضحة في قانون حماية وتحسين البيئة تمنع قطع الأشجار المعمرة التي يزيد عمرها على 30 سنة، وأن القانون يمنع أيضا إزالة الغابات أو البساتين وغيرها من المساحات الخضراء”، مبينا في تصريحات صحفية أن “الانبعاثات الغازية الضارة والروائح الكريهة التي يستنشقها سكان بغداد، سببها احتراق النفط الأسود في محطات توليد الطاقة، ومعامل الأسفلت، والطابوق (طوب البناء)، إضافة إلى إضرام النيران في مطامر النفايات غير الصحية بأطراف العاصمة”.
وخلال السنوات الماضية، زادت حالات انتشار رائحة الكبريت والدخان في أجواء بغداد. ويصف ناشطون الدخان في أجواء العاصمة بالضباب الذي يصعُب معه استنشاق الهواء بسهولة، وسط تأكيدات أنّ مصدره معامل تدوير أسلاك الكهرباء والبلاستيك التي تحيط ببغداد، وكذلك مطامر النفايات، فضلا عن تواصل تشغيل مولدات الشارع بفعل غياب الكهرباء الوطنية،وكذلك من مصافي النفط في بغداد التي اختلطت بالتجمعات السكانية التي توسعت. ووفقا لموقع “IQAir” العالمي المتخصص بمراقبة جودة الهواء وقياس درجات التلوث، فقد تصدرت العاصمة العراقية بغداد قائمة المدن الأعلى في نسب التلوث.
وعلى صعيد متصل، أعلنت وزارة البيئة عن اتخاذ إجراءات قانونية وعمليات متابعة ميدانية عاجلة لمعالجة ظاهرة حرق النفايات في موقع الطمر الصحي التابع لمديرية بلدية الحبانية في منطقة كولي كمب بناحية الحبانية بمحافظة الأنبار، وذلك استجابة لشكوى هاتفية وردت من سكان المنطقة.
و أكد المدير العام لدائرة حماية وتحسين البيئة في منطقة الوسط، سنان جعفر، أن الوزارة سبق وأن فرضت غرامة مالية وفق أحكام قانون حماية وتحسين البيئة رقم (٢٧) لسنة ٢٠٠٩ على الموقع، وذلك بسبب مخالفته للمعايير البيئية المعتمدة.
من جهته، أوضح مدير بيئة الأنبار قيس ناجح أن المخالفة تفاقمت نتيجة لإيقاف بلدية الحبانية للعمل الرسمي في الموقع من دون استكمال عمليات الطمر والدفن الصحي للنفايات، مما تركها مكشوفة ومتناثرة، وهو ما سهّل تعرضها للحرق من قبل جهات غير معروفة، وحوّل الموقع إلى مصدر دائم للتلوث.
ودعت الوزارة جميع الجهات المعنية، وأولها البلديات، إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في الإدارة السليمة للنفايات، مشددة على أن أي تقصير أو تهاون في حماية البيئة سيواجه بالتشريعات والقوانين الرادعة لضمان تطبيق مبادئ الاستدامة البيئية، على حد وصفها.