ياسر بادلي
في اللحظة التي وطئت فيها قدما الرئيس مسعود بارزاني تراب بوطان، بدا المشهد أشبه باستيقاظ تاريخٍ كان ينتظر هذه اللحظة كي ينهض من تحت صخور الزمن. لم تكن زيارة عابرة، ولا حدثًا بروتوكوليًا يضاف إلى رزنامة العلاقات الإقليمية؛ كانت أشبه بعودة الذاكرة إلى ذاتها، واستعادة أرضٍ لأحد أبنائها وإن تباعدت الجغرافيا وتداخلت الخرائط.
كان الاستقبال الشعبي أشبه بنبضٍ قديم عاد إلى جسدٍ أنهكته السنوات. وجوه مشرقة، وصدور مفتوحة، وهتاف لم يكن سياسيًا بقدر ما كان وجدانيًا، يُعيد وصل ما انقطع بين بوطان وبين رمزٍ ظلّ حضوره يختزن معنى الكرامة للكورد أينما كانوا. لحظة امتزج فيها الوجد بالسياسة، والعاطفة بالتاريخ، حتى خرجت الزيارة من حدود المراسم إلى فضاء الانتماء.
لكن المفارقة الصارخة جاءت من خارج المشهد، حين اختار دولت باخجلي أن يطلق خطابًا متشنجًا، يفتش في رماد الماضي عن نارٍ لم تعد موجودة. بدا خطابه محاولة يائسة لإحياء لغة قومياتٍ خائفة، تُعاند واقعًا لم يعد يسمح بالقفز فوق حقيقة التعددية، ولا بإنكار ثقل الرموز التي تتجاوز الحدود الضيقة للسياسة اليومية. لم يكن اعتراضه أمنيًا ولا سياسيًا بقدر ما كان ارتباكًا أمام حضور بارزاني بما يمثله من ذاكرة وعمق وشرعية شعبية.
فالزيارة، من حيث الشكل، جاءت ضمن تنسيق واضح بين مؤسسات إقليم كوردستان والجهات التركية، مما يجعل ضجيج التصريحات القومية أقرب إلى رد فعل أيديولوجي مأزوم لا إلى موقف دولة. خطاب يحاول إخفاء قلقه من المستقبل خلف ارتفاع نبرة الصوت، لأن الحاضر يفرض واقعية سياسية لم تعد تنفع معها أدوات التحريض القديمة.
أما مشاركة الرئيس بارزاني في فعاليات منتدى ملا جزيري، فقد تحولت إلى رسالة سياسية وثقافية بامتياز:
أن الجسور مهما تهشّمت، يمكن أن تُرمَّم، وأن التاريخ حين يُستعاد بحكمة يصبح مساحة لقاء لا ساحة صراع. لقد كشفت تلك اللحظة عمق المشكلة لدى من يخافون من رمزية الزيارة أكثر مما يخافون من غياب الحلول.
غير أن الصورة الأكثر رسوخًا كانت مشهد البشمركة وهي تقف إلى جانب بارزاني في أرضٍ لطالما جرى تمثيلها في الوعي الجمعي الكوردي كجزء من حكاية أكبر تُسمّى كوردستان. تلك اللحظة قالت بهدوء ما عجزت عنه الضوضاء:
أن الجغرافيا ليست نصًا يُعاد تأويله حسب المزاج السياسي، وأن ذاكرة الشعوب أطول عمرًا من خطاب الكراهية، وأصلب من كل محاولات الطمس.
ومهما ارتفع صراخ المتطرفين، ومهما حاولت بعض الأصوات قومنتها للفراغ وافتعال الأزمات، فلن تهزّ عزيمة الرئيس مسعود بارزاني. فالرجل الذي عبر عقودًا من الصراع بإصرار، وبقي ثابتًا في أحلك المنعطفات، لن تهزه تصريحاتٌ طارئة ولا صراخُ قومياتٍ لا تعرف سوى الهروب إلى الأمام.
فثباته ليس مجرّد رد فعل.. بل هو جوهر مسيرته السياسية وركيزتها الأعمق.
وقد كانت خطواته في بوطان إعلانًا سياسيًا هادئًا، لكنه بالغ الدلالة:
أن الكبار يمضون بثبات، مهما ارتفع صراخ الصغار.