عمار الصلف.. حين يُصبح الحلم قصيدةً تنبض بالحسرة والتمرّد

محمد علي محيي الدين

في تخوم بابل، في مدينة القاسم، حيث تمتزج الأنهار بالأساطير، وتتماهى الأطلال مع الحنين، وُلد شاعرٌ يشبه تراب مدينته بخصوبته ومرارته معًا. اسمه عمار الصلف، شاعر يشبه غيمة أيلول التي كتبها، وكتَبته، فأصبح فيها وفيها وحدها، صوتًا لا يصدر من حنجرة، بل من قلب ملتاعٍ، وروحٍ ترفض التواطؤ مع الألم.

وُلد الصلف في التاسع والعشرين من آب عام 1982، في قضاء القاسم بمحافظة بابل، تلك المدينة التي لا تُنجب أبناءً عاديين، بل شعراء وفلاسفة ومجانين حلمٍ. وفيها نشأ وتعلم، وارتوى من نهر الفرات حبًا ووجعًا، حتى تخرّج في كلية الآداب – جامعة بابل، ليعمل لاحقًا موظفًا في وزارة العدل العراقية، كمن يسعى ليوازن بين قصيدة الداخل وروتين الخارج.

لكنه لم يترك الحبر يتجمّد في عروقه، فدخل ساحة الشعر من بابها المفتوح على الألم والجمال. أصبح عضوًا في اتحاد أدباء وكتاب بابل عام 2020، ومسؤولًا عن بيت الشعر المنبثق عن البيت الثقافي في القاسم، وناشطًا ثقافيًا في اللجنة الإعلامية للمنتدى الأدبي في مدينته، يزرع الكلمة في أرضٍ تهفو للأمل، ويُقيم الأمسيات كمن يشعل شمعةً في ظلمة وطن.

“خارج الوقت.. داخل الحواس” تحت هذا العنوان صدرت مجموعته الشعرية الأولى، كأنها بيانٌ شعريّ يعلن خروجه من رتابة الزمن، ودخوله عوالم الحسّ المرهف، حيث لا توقيت للحزن، ولا منطق للفرح، بل مزاج شعريّ طافح بالأسى، غارق في حب الوطن والأصدقاء والحلم المؤجل. وفي الطريق إلى مجاميعه المقبلة، التي تنتظر الولادة، يواصل عمار كتابة نصه المتوهج بصدق التجربة، وحرارة الصوت الإنساني.

ربما لم يُكتب عن قصيدة لعمار الصلف كما كُتب عن “غيمة أيلول”، تلك القصيدة التي تحولت إلى مأتمٍ شعريّ يحتفي بروح صديقه الراحل الشاعر وسام هاشم. كتب الناقد غانم عمران المعموري دراسةً وافية عنها، رأى فيها تمثّلًا لصوتين يصهرهما الشعر في نفسٍ واحدة. “جسدٌ ملتهب يعانق روحًا مفعمة بالإحساس”، هكذا وصف النص، ليخلص إلى أن القصيدة ليست رثاءً، بل تمرّدًا شعريًا على واقع قاسٍ، صاغه الشاعر بلغة تتقافز منها الشرارات الموسيقية والانزياحات الدلالية.

في هذه القصيدة، يُحيل الصلف الحزن إلى “قمح يُطحن”، ويجعل المجرشة “خرساء”، في انزياحات لغوية تعبّر عن مرارة لا يمكن نطقها بالكلام المعتاد، بل بلغةٍ تشقّ جلد اللغة وتفجّر صرختها من الداخل. وهو بذلك يُعيد للقصيدة العراقية روحها القديمة – تلك التي عرفناها عند السياب وبلند الحيدري – ويمنحها في الوقت ذاته روحًا جديدة، أكثر التحامًا باليومي، وأكثر اشتعالًا بالتجربة الشخصية.

لم يكن الشاعر بعيدًا عن عين النقاد، فقد كتب الدكتور أحمد الخيال دراسة عنه في مجلة الأديب العراقي، وكتب عنه غانم المعموري والدكتورة هيام عبد زيد عطية، التي قرأت في قصيدته “نبي ونهر” نزوعًا ملحًّا نحو صناعة الحلم رغم العوائق، وكأن القصيدة وسيلته للمقاومة والبقاء. ترى هيام في شعره تمسكًا متينًا بالصورة الذهنية، ومخيلة صلبة تصوغ العالم كما يريد الشاعر لا كما يُفرض عليه.

وفي ملاحظات النقاد أيضًا، حضورٌ للغة عمار الصلف بوصفها لغةً تمتح من الإيقاع الداخلي وتستثمر التوازي الصوتي واللفظي، ليُنتج من كل بيت شعريّ قطعةً موسيقية نابضة. هذا الاشتغال العميق على البنية والإيقاع والمجاز يجعل شعره ليس مجرد تعبير عن موقف، بل فنًا متكاملًا يُقرأ ويُصغى إليه بعمق.

شارك الصلف في مهرجانات عدة: ملتقى العراق الثقافي، جواهريون في دورتيه 13 و14، مهرجان المربد، مهرجان الإمام علي الشعري، وغيرها من المناسبات التي كان فيها الحاضر بشعره قبل أن يكون بجسده. كما شارك في أمسيات للشعر الشعبي، ما يكشف عن قدرته على الترجّل بين الفصحى والعامية دون أن يخسر روحه الشعرية أو يخفّ وهجه.

وعمار الصلف ليس شاعرًا تقليديًا، ولا طيفًا عابرًا في سماء الشعر العراقي. هو ابن مدرسة قائمة على البوح العميق، والتجريب الدائم، والمراهنة على الإحساس المقطّر من وجع التجربة. لا يكتب لأن الكتابة واجبٌ أو مهنة، بل لأنها خلاصٌ من عتمة الداخل، وحوار دائم مع الحياة.

في قصائده، يسمو الحزن، ويتحوّل إلى زهرات حنظل تفوح منها رائحة الصبر والتمرّد. شاعرٌ يكتب لا ليتجمّل، بل ليقول الحقيقة كما يحسّها، بشرفٍ شعريّ وجرأة وجدانية تستحق أن تُروى.

من مدينة القاسم، من قلب بابل النابض، يكتب عمار الصلف قصيدته كما تُكتب النبوءة: من الألم، وإلى الأمل.

قد يعجبك ايضا